ابن حزم

21

رسائل ابن حزم الأندلسي

ويختلف التصنيف لدى الخوارزمي وابن النديم بسبب اختلاف الغاية عند كل منهما . فالأول يهدف إلى حصر المصطلحات التي جدّت في كل علم ، ولذلك كانت قسمته للعلوم بسيطة ، فهي تقع في مقالتين ، وكل مقالة تنقسم في فصول ، فالأولى منهما تضمّ الفقه ، والكلام ، والنحو ، والكتابة ، والشعر والعروض ، والأخبار ؛ والثانية تضمّ الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والحيل والكيمياء ؛ وهو يصرح بأنه اختار القسمة الثنائية لأنه يريد أن يخصص المقالة الأولى للحديث عن علم الشريعة وما يقترن بها من العلوم العربية ، والثانية لعلوم العجم من اليونانيين وغيرهم من الأمم « 1 » . وإذا كانت هذه القسمة صريحة لدى الخوارزمي فإنها ضمنية لدى ابن النديم ، ويمكن بسهولة أن نرى في تتابع العلوم الإسلامية في المقالات الست الأولى ثم ذكر الفلسفة والعلوم القديمة بعد ذلك اتكاء على التقسيم الثنائي ، ولكن مهما يكن من شأن هذا التصنيف الضمني فقد كانت طبيعة عمل ابن النديم تستلزم النظر إلى الكتب المؤلفة لا إلى افتراض مجالات علمية ، وتلك الكتب المؤلفة أحيانا تعزّ على التصنيف التقليدي المتوارث حتى عهده ؛ فهناك مثلا علم الكلام ، وهو داخل في بعض التصنيفات السابقة ، ولكن هناك المتكلمون من شتى الفرق الإسلامية ، وقد ألّفت في أخبارهم كتب كثيرة ، وهناك كتب بالعربية في مذاهب الصابئة الحرّانية وغيرهم ، وكلها تستحق أن تقيّد ضمن التاريخ الشمولي للحركة الفكرية ؛ ولكن أين تقع تلك الكتب إذا اعتبرنا التصنيف المتعارف ؟ لهذا يتعدّى ابن النديم حدود التصنيف للعلوم إلى أمور تقع في خارجه وفاء بالغاية التي من أجلها صنع كتاب الفهرست ، ولا يمكن أن يحاسب مثلما يحاسب مثلا ابن سينا وإخوان الصفا ، فهؤلاء جعلوا للطلسمات والنيرنجات وما أشبهها مكانا في المبنى العلمي ، وقد كان في مقدورهم أن يسقطوها ( من زاوية الفكر النظري لمفهوم لفظة علم ) ؛ ولكن ابن النديم الذي كان يحصي ما ألّف من كتب في كلّ مجال لا يلام إذا عقد فصلا ( المقالة الثامنة ) في فنون الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعبذة ، ولو أسقط هذا الفصل من كتابه لكان ذلك إخلالا بالأمانة في رصد الواقع العملي ؛ ولما كان الفهرست مبنيا على أخبار المؤلفين في كل فن ( ثم ذكر ما ألّفه كلّ منهم في ميدانه ) فليس من العدل أن نطبق عليه الأحكام التي تطبق على غيره من الكتب الخاصة

--> ( 1 ) مفاتيح العلوم : 4 - 5 .