ابن حزم

179

رسائل ابن حزم الأندلسي

كالحمرة والصفرة والخضرة « 1 » التي بين السواد « 2 » والبياض وكحال الاعتدال الذي « 3 » بين الجواد والشح على ما نبين في كتابنا في أخلاق النفس « 4 » إن شاء اللّه عزّ وجل . والمنافيان هما اللذان ليس بينهما وسائط ، فإن الحياة والموت فيما يكونان فيه ليس بينهما وسيط لا يكون حياة ولا موتا ؛ وكذلك صحة العضو ومرضه لا يجوز أن يكون العضو صحيحا مريضا ، ولا لا صحيحا ولا مريضا . والصحة هي تصرف العضو في فعله الطبيعي ، والمرض هو ضعفه عن ذلك . وكذلك الجور والعدل في الحكم « 5 » : لا يجوز أن يكون حكم لا عدلا ولا جورا ولا عدلا جورا . ولما كان هذان الأمران - أعني التضاد والمنافاة - معنيين مختلفين احتجنا في العبارة عنهما إلى اسمين متغايرين لئلا يقع الإشكال « 6 » ؛ وقد حدّ قوم الضد بأنه الذي إذا وقع ارتفع الآخر ، وهذا خطأ ، لأن هذا قول يوجب أن يكون الاتكاء ضد القعود والخضرة ضد الحمرة وهذا خطأ ، وإنما هذا من الخلاف والتغاير لا من التضاد ، وحد الضد على الحقيقة هو ما عبرنا به آنفا . وأما حال الجسم التي تنفي الضدين معا من بعض الأضداد وبعض المتنافيين فلا يعرف لها « 7 » اسم في الأكثر من مواضعها ، كحال نفس الطفل فإنه لا يسمى برّا ولا فاجرا ولا عالما ولا جاهلا بل كل حال من هذه الأحوال منفية عنه بلفظة « لا » فنقول : الطفل لا يعلم شيئا ولا يطلق عليه اسم الجهل إلا مع إمكان العلم ، ويقال الطفل ليس برا ولا فاجرا فإذا قوي واحتمل الأمرين وقع عليه أحدهما على حسب ما يبدو منه ، وكالحجر لا يقال عنه حي ولا ميت لكن ننفي عنه كلا الأمرين بلفظة « لا » ، أو « ليس » أو « ما » فنقول : الحجر ليس حيا ولا ميتا . وقد يستحيل حامل كل واحد من المتنافيين أو الضدين أو الخلافين إلى حمل القسم الآخر فيكون

--> ( 1 ) والخضرة : سقطت من م . ( 2 ) م : الخضرة . ( 3 ) م : التي . ( 4 ) هي رسالته التي تحمل عنوان : « رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل ، وقد طبعت عدة مرات ( انظر الجزء الأول من رسائل ابن حزم / 1980 ص : 323 ) وقد عالج ابن حزم في باب الأخلاق منها بعض الفضائل ومركباتها ( ص 379 وما بعدها ) . ( 5 ) س : في العدل والحكم . ( 6 ) م : اشكال . ( 7 ) لها : سقطت من س .