ابن حزم
17
رسائل ابن حزم الأندلسي
علم السياسة . علم المعاد . ويتضح من هذا كله مدى التغييرات التي أحدثوها في مناهج من سبقهم إضافة وتعديلا ، فقد حشدوا الأمور النفعية التي تتطلبها الحياة اليومية أو ترغب فيها تحت عنوان جديد هو العلوم الرياضية ( دون أن يكون للطلب أي وجود في نظامهم ) ، وتنبهوا لأول مرة إلى علم السير والأخبار ، وآثروا كلمة « تأويل » على كلمة « تفسير » خدمة لمعتقداتهم الإسماعيلية ، وعدّوا المواعظ والزهد والتصوّف - لأول مرة - علما ، وجعلوا تأويل المنامات تحت العلوم الشرعية ، ولم يغيّروا شيئا في تصنيف المنطقيات والطبيعيات عما جاء عند الفارابي ، ولكنهم جعلوا السياسة في الإلهيات ، وهو شيء لا وجود له في النموذج اليوناني ، كما أن مفهومهم للروحانيات ( التي هي ملائكة اللّه وخالص عباده ) والنفسانيات ( التي هي معرفة النفوس والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية ) وإضافتهم علم المعاد ( وهو كيفية انبعاث الأرواح من ظلمة الأجساد وحشرها لحساب يوم الدين ) - كل ذلك يشير إلى استغراقهم في توصيل معتقداتهم الخاصة إلى الآخرين ، وتلك هي غايتهم الكبرى من مجموع الرسائل . وموقف ابن سينا في تصنيف العلوم مقارب لموقف إخوان الصفا ، وأغلب الظن أنه متأثر بهم ، فقد كان أبوه إسماعيليا على ما حكى في سيرته ، ولكنه أشدّ حذرا منهم ، وأكثر التزاما بالمفهوم الأرسطاطاليسي « 1 » . فالسياسة والأخلاق عنده ما يزالان كما هما عند الفارابي من العلم المدني ( أو الحكمة العملية ) إلا أنه يضيف إليهما ما يتعلق بالنبوّة والشريعة ، ويجعل الطب والتنجيم والفراسة . والتعبير والطلسمات والنيرنجات والكيمياء فروعا من الحكمة الطبيعية ، ويعدّ عمليات الحساب وعلم المساحة والحيل وجرّ الأثقال والموازين ونقل المياه والزيجات والتقاويم متفرعة من العلوم الرياضية . ويكاد اللقاء بين ابن سينا وإخوان الصفا يكون تامّا في ما يشمله العلم الإلهي ( بعد إسقاط علم السياسة ) ، فهذا العلم يتكوّن - في نظره - من خمسة أصول : النظر في معرفة المعاني العامة لجميع الموجودات من الهوية والوحدة والكثرة والوفاق والخلاف . . . الخ ، النظر في الأصول والمبادي ، النظر في إثبات الحقّ الأول وتوحيده ، النظر في
--> ( 1 ) يخرج ابن سينا بعض الشيء عن مفهوم أرسطاطاليس ، وذلك في منطق المشرقيين ( ص : 6 ) حين يجعل العلوم النظرية أربعة : العلم الطبيعي والعلم الرياضي والعلم الإلهي والعلم الكلي ( والكتاب ناقص لا يفي بما وعد به في المقدمة ولذلك فليس واضحا ما يعنيه بالعلم الكلي ) .