ابن حزم

166

رسائل ابن حزم الأندلسي

شيء . ثم لما وجد كان ذلك أول مراتبه في الحقيقة ، ثم انقضى وصار « 1 » ماضيا وصح الكلام فيه لأنه قد كان حقا [ 27 ظ ] موجودا . وإنما غلط من غلط في هذا الباب لوجهين : أحدهما أنه راعى حال نفسه فلما وجد نفسه مستقبلة للأمور قبل كونها وللزمان قبل حلوله وقبل مضي كل ذلك ، قدر أن « 2 » الزمان المستقبل قبل المقيم وقبل الماضي وهذا غلط فاحش وجهل شديد ، لأنه موافق لنا من حيث لا يفهم . ألا ترى أنه إنما جعل الأول في الرتبة كونه مستقبلا لما لم يأت وهذا هو الزمان المقيم على الحقيقة ، وفعله لذلك هو فعل الحال لا غيره ، وهو الذي قلنا فيه إنه أول الأزمنة والمقدم من الأفعال ، ثم جاء ذلك الزمان المستقبل والفعل المنتظر معه بعد ذلك . والماضي أشد تحققا من المستقبل لأن الماضي قد كان موجودا ومعنى صحيحا يحسن « 3 » الاخبار عنه وتقع الكمية عليه والكيفية ، والمستقبل بخلاف ذلك كله . واعلم أن الموجود من هذه الأزمنة هو المقيم وحده ، والموجود من الأفعال هو المسمى حالا الذي هو في الزمان المقيم ، لأن الماضي إنما كان موجودا وثابتا وصحيحا وحقيقة وشيئا إذ كان مقيما ، ثم لما انتقل عن رتبة كونه مقيما عدم وبطل وتلاشى . والمستقبل إنما يوجد ويصح ويثبت ويصير حقيقة وشيئا إذا صار مقيما وأما قبل ذلك فليس شيئا وإنما هو عدم وباطل . فتدبر هذا بعقلك تجده ضروريا يقينا لا محيد عنه ولا سبيل إلى غيره إلا لمن كابر حسه وناكر عقله ، نعوذ بالله من ذلك . والوجه الثاني أن الذي لم يحقق النظر لما لم يقدر على إمساك الزمان وقتين تفلّت عليه ضبط الزمان المقيم ولم يكد يتحقق ذلك لحسه . فليعلم « 4 » أن الزمان لا يثبت وإنما هو منقض أبدا شيئا بعد شيء ، والزمان المقيم هو الآن ، فإن قولك « الآن » هو فصل موجود أبدا بين الزمان الماضي والزمان الآتي ؛ والآن هو الموجود في الحقيقة من الزمان أبدا ، وما قبل الآن

--> ( 1 ) م : فصار . ( 2 ) أن : سقطت من م . ( 3 ) س : لحسن . ( 4 ) س : فلتعلم .