ابن حزم

145

رسائل ابن حزم الأندلسي

ورسم الجوهر هو « 1 » أن نقول : إنه القائم بنفسه القابل للمتضادات ، فإن النفس قائمة بنفسها تقبل العلم والجهل والشجاعة والجبن والنزاهة والطمع وسائر المتضادات من أخلاقها ، التي هي كيفياتها ، وكذلك كثير من الأجرام تقبل البياض والسواد اللذين أحدهما لون مفرق للبصر وهو البياض ، والثاني جامع للبصر وهو السواد . وكثير منها يقبل الحرّ والبرد والمجسمة ، التي هي خشونة أو املاس ، والرائحة التي هي طيب أو نتن ، وغير ذلك من الصفات التي تقع عليها الحواس ؛ فكل قائم بنفسه قابل للمتضادات فهو جوهر ، وكل جوهر فقائم بنفسه قابل للمتضادات « 2 » حامل لها في ذاته ، وبهذا خرج الباري عزّ وجل عن أن يكون جوهرا أو يسمى جوهرا ، لأنه تعالى ليس حاملا لشيء من الكيفيات أصلا [ 20 و ] فليس جوهرا . وأما ما يظن قوم من أن الكيفية تقبل الأضداد لأن اللون يقبل « 3 » البياض والحمرة « 4 » فذلك ظن فاسد ، لأن أنواع الكيفية بعضها هي « 5 » الأضداد أنفسها ، فهي متضادة بذاتها ، لا حاملة للتضاد في ذاتها ، بل هي الأضداد المحمولة أنفسها ، والجوهر حامل لها كزيد ، مرة هو صبي ، ومرة هو شيخ ، ومرة هو أصفر من الفزع أو المرض ، ومرة هو أسمر من الشمس ، ومرة هو حار لقربه من النار ، وأخرى هو بارد لقربه من الثلج ، ومرة قاعدا ومرة قائما ، وهو زيد نفسه . وكل هذه كيفيات وأعراض متعاقبة عليه « 6 » ذاهبة واردة ، فبعضها متضاد وبعضها مختلف . وكذلك الكلام والفكر الذي هو التوهم لا يقبلان الأضداد قبول الجوهر للأضداد ، لأن الكلام والتوهم إما أن يكون صدقا وإما أن يكون كذبا ، بصحة معنى الشيء المتوهم ، أو الكلام ، أو ببطلانه ، وليس الصدق والكذب متعاقبين على كلام واحد ولا على

--> ( 1 ) هو : سقطت من م . ( 2 ) فهو جوهر . . . للمتضادات : سقط من س . ( 3 ) م : يجمع . ( 4 ) م : والخضرة . ( 5 ) س : من . ( 6 ) س : عليها .