ابن حزم
113
رسائل ابن حزم الأندلسي
الرسم غير الحد ، ثم قطعوا ان الحد هو بعض الرسم ، وهذا [ تناقض ] كما ترى . لكن الصواب أن نقول : إن كل مميز شيئا عن شيء فهو إما أن يميزه بتمييز يؤخذ من فصول ومن أجناس ، فيكون حدا منبئا عن طبيعة الشيء ، مميزا له مما سواه أو يميزه بتمييز يؤخذ من أعراض وخواص ، فيكون مميزا للشيء مما سواه فقط ، غير منبئ عن طبيعته ، فيكون التمييز رأسا جامعا ، ينقسم إلى نوعين : إما حد وإما رسم . وهذا فإنما هو بيان لمعنى لفظة الحد ولفظة الرسم فقط ، لا أن الحد يحتاج إلى حد ، ولو كان ذلك لوجب وجود محدودات لا نهاية لها ، وهذا محال ممتنع باطل . وإنما يشغب علينا في هذا المكان أحد رجلين : إما مشغب لا يستحيي من إنكار ما يعلم [ 9 و ] صحته فيسعى في إبطال الحدود عن المحدودات ، وإما ملحد ساع في إثبات أزلية العالم ، وكلّ لا يعبأ به ، لأنه دافع مشاهدة ، وللّه الحمد . وقد بيّنا أنّ الحد إنما هو صفات ما متيقّنة في أشياء ومتيقن عدمها في أشياء أخر ، فتصف كلا بما فيه . فمن أنكر هذا فقد أنكر الحسّ والعيان وخرج من حدّ من يشتغل به . فالحدّ هو نحو « 1 » قولنا في الإنسان : إنه الجسد القابل للون ، ذو النفس الناطقة الحية الميتة . فإن الحيّ جنس للنفس ، أي نفس كانت ؛ وسائر ما ذكرنا فصول لها من سائر النفوس الحيوانية . فهذا هو الحد كما ترى . والرسم مثل قولك « 2 » في الإنسان : إنه هو الضحاك أو الباكي . فهو كما ترى مميز للإنسان مما سواه ، وليس منبئا عن طبيعته التي هي قبول الحياة والموت . والحد مبين ذلك . وحكم الحد أن يكون مساويا للمحدود . ومعنى ذلك أن يقتضي لفظه إذا ذكر ، جميع المراد فلا يشذ عنه شيء مما أردت أن تحده ، ولا يدخل فيه ما ليس منه . فإن زدت في الحد لفظا ، فإن كان الذي زدت لفظا يقع على معاني أكثر من معاني المحدود أو مثلها ، بقي المحدود بحسبه ، كقولنا في حد نفس الإنسان : إنها حي ناطق ميت جوهر حساس ضحاك بكاء مشرق في جسد يقبل الألوان منتصب القامة ونحو هذا . فالمحدود حتى الآن صحيح
--> ( 1 ) نحو : سقطت من س . ( 2 ) س : قوله .