ابن حزم

102

رسائل ابن حزم الأندلسي

ويرجع من هذه الثنية ثانيا من عنانه ، فإنا نقول قولا ينصره البرهان ، ونقضي قضية يعضدها العيان : إن أقواما ضعفت عقولهم عن فهم القرآن فتناولوه بأهواء جائرة ، وأفكار مشغولة ، وأفهام مشوبة فما لبثوا أن عاجوا عن الطريقة ، وحادوا عن الحقيقة : فمن مستحلّ دم « 1 » الأمة ، ومن نازع إلى بعض فجاج الكفر ، ومن قائل على اللّه عز وجل ما لم يقل . وقد ذكر اللّه عز وجل وحيه وكلامه فقال : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة : 26 ) وهكذا كل من تناول شيئا على غير وجهه ، أو وهو غير مطيق له ، وبالله تعالى نستعين . وليعلم من قرأ كتابنا هذا أن منفعة الكتب ليست في علم واحد فقط بل في كل علم ، فمنفعتها في كتاب اللّه عز وجل ، وحديث نبيه ، صلّى اللّه عليه وسلّم وفي الفتيا في الحلال والحرام ، والواجب والمباح ، من « 2 » أعظم منفعة . وجملة ذلك في فهم الأسماء « 3 » التي نصّ اللّه تعالى ورسوله ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، عليها وما تحتوي عليه « 4 » من المعاني التي تقع عليها الأحكام وما يخرج عنها من المسميات ، وانقسامها « 5 » تحت الأحكام على حسب ذلك والألفاظ التي تختلف عبارتها وتتفق معانيها . وليعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يجز أن يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام ، وبناء بعضه على بعض ، وتقديم المقدمات ، وإنتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصدق أبدا ، ويميزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب أخرى ولا ينبغي أن يعتبر بها . وأما علم النظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات فلا غنى بصاحبه عن الوقوف على معاني هذه الكتب لما سنبينه في أبوابه إن شاء اللّه تعالى . وجملة ذلك معرفة ما يقوم بنفسه مما لا يقوم بنفسه ، والحامل والمحمول ، ووجوه الحمل والشغب

--> ( 1 ) م : دماء . ( 2 ) من : سقطت من م . ( 3 ) س : الأشياء . ( 4 ) س : عليها . ( 5 ) س : وانتسابها .