ابن حزم
100
رسائل ابن حزم الأندلسي
اللّه عز وجل ، فيفوز بالحظ الأعلى ويحوز القسم الأسنى إن شاء اللّه عز وجل . ولم نجد أحدا قبلنا انتدب لهذا فرجونا ثواب اللّه عز وجل وأملنا عونه تعالى « 1 » في ذلك . والضرب الرابع : قوم نظروا فيها بأذهان صافية وأفكار نقية من الميل وعقول سليمة فاستناروا بها ووقفوا على أغراضها فاهتدوا بمنارها وثبت التوحيد عندهم ببراهين ضرورية لا محيد عنها ، وشاهدوا انقسام المخلوقات وتأثير الخالق فيها وتدبيره إياها ، ووجدوا هذه الكتب الفاضلة كالرفيق الصالح والخفير « 2 » الناصح والصديق المخلص [ 4 ظ ] الذي لا يسلم عند شدة ، ولا يفتقده صاحبه في مضيق إلا وجده معه . فلم يسلكوا شعبا من شعاب العلوم إلا وجدوا منفعة هذه الكتب أمامهم ومعهم ، ولا طلعوا ثنية من ثنايا المعارف إلا أحسّوا بفائدتها غير مفارقة لهم ، بل ألفوها تفتح لهم كل مستغلق ، وتليح إليهم كلّ غامض في جميع العلوم ، فكانت لهم كالميلق « 3 » للصيرفي ، والأشياء التي فيها الخواص لتجلية مخصوصاتها . فلما نظرنا في ذلك وجدنا من بعض الآفات « 4 » الداعية إلى البلايا التي ذكرنا ، تعقيد الترجمة فيها وإيرادها بألفاظ غير عامية ولا فاشية الاستعمال ، وليس كل فهم تصلح له كل عبارة ، فتقربنا إلى اللّه عز وجل بأن نورد معاني هذه الكتب « 5 » بألفاظ سهلة سبطة يستوي إن شاء اللّه في فهمها العامي والخاصي والعالم والجاهل حسب إدراكنا وما منحنا خالقنا تبارك وتعالى من القوة والتصرف . وكان السبب الذي حدا من سلف من المترجمين إلى إغماض الألفاظ وتوعيرها وتخشين المسلك نحوها ، الشحّ منهم بالعلم والضن به . ولقد يقع لنا أن طلاب العلم يومئذ والراغبين فيه كانوا كثيرا ذوي حرص قوي ، فأما الآن وقد زهد الناس فيه زهدا ليته سلم أهله منهم ، بل قد أدّاهم زهدهم فيه « 6 »
--> ( 1 ) وأملنا عونه تعالى : انفردت به م . ( 2 ) م : والحفير ؛ والخفير ؛ المجير . ( 3 ) س : الميدق ؛ م : الميذق ؛ والميلق : وعاء لتمليس الذهب ( انظر ملحق المعجمات لدوزي 2 : 638 ) . ( 4 ) م : من بعض اللغات . ( 5 ) الكتب : سقطت من س . ( 6 ) زهدا . . . فيه : سقط من س .