ابن حزم
10
رسائل ابن حزم الأندلسي
بها أن هذا الأمر اضطراري . . . وأقبل الشيخ يتضاحك ويقول له : ذق يا بني طعم العلم الذي هو على الحقيقة علم » . قد يبدو هذا المثل نموذجا فرديا ، وأنه لا يصلح لأن يستنتج منه حكم عام ، لولا أنّ الرازي يذكر في تضاعيفه أنّ أصحابه ( أي الحكماء ) كانوا يردّون على هذه العصابة ( أي الأدباء ) بأنّ علمهم اصطلاحي ، فالأمر أوسع من أن يكون مقصورا على حادثة فردية ، بحيث يمكن أن يكون صراعا بين فئتين متفاوتتين في الانتماء الثقافي ؛ ويستدرك الرازي على ما تقدّم بقوله : « ولسنا نقصد الاستجهال والاستنقاص لجميع من عني بالنحو والعربية واشتغل بهما وأخذ منهما ، فإنّ فيهم من قد جمع اللّه له إلى ذلك حظّا وافرا من العلوم ، بل للجهّال من هؤلاء الذين لا يرون أنّ علما موجود سواهما ، ولا أن أحدا يستحق أن يسمّى عالما إلا بهما » « 1 » . كان في وسع هذا النحوي اللغوي أن ينكر كل ما سوى علمه لقصور في تصوّره ، وكان في وسع المحدّث أن يتجاهل كلّ ما لا يمتّ بصلة إلى علمه لأنه خاضع لمنهجية دقيقة أيضا توازي ( وليس من الضروري أن توافق ) منهجية المفكّر المتفلسف ، ولكن لم يكن بمقدور هذا الأخير أن يقف موقفا مشابها لهذين ، خضوعا أيضا لانتمائه ولمنهجه ، ولذلك كانت نظرته الشمولية إلى العلوم وتفريعاتها ، ثم الخروج بتصنيف لها ، أمرا يشبه الحتم ، وكان هو حريصا أشد الحرص على ذلك لكي يمنح الفلسفة ( وخاصة الجانب المتافيزيقي منها ) مكانا في تصنيفاته ، ذلك أنه لم يكن يجد من ينكر عليه ناحية « المنفعة » في سائر علوم الأوائل ( ما عدا الجانب التنجيمي من علم الهيئة وما عدا الموسيقى لدى من يضيق ذرعا بها ) إلا أنه كان يواجه حملة شعواء على مستويات مختلفة إذا هو تحدث عن المتافيزيقا ( العلم الإلهي ) . فالرغبة لدى هؤلاء في التصنيف قوة حافزة ليس هدفها إيجاد مكان للمعارف المتصلة بالشريعة ضمن رؤية معينة ، فهذه المعارف لها من المؤيدين ما يكفل لها الوجود الكامل في أي تصنيف ، ولكن الهدف هو إظهار « التكامل » بين معارف الأوائل والمعارف الدينية أو على الأقل : وضع تصوّر جديد لا ينبذ الفلسفة ولا يهمل الشريعة ، ويتمتع بشمول يحترم الفكر ويجد من الفكر نفسه كل تقدير « 2 » .
--> ( 1 ) رسائل فلسفية للرازي 1 : 44 . ( 2 ) يعكس الأستاذ محمد وقيدي هذا الوضع حين يقول : « إن قيام الشريعة الجديدة قد أدى إلى قيام معارف جديدة .