الشيخ محمد عبده

66

رسالة التوحيد

مبلغ عن الله ، فإصدار الله لها عند ذلك يعد تأييدا منه له في تلك الدعوى . ومن المحال على الله أن يؤيد الكاذب ، فإن تأييد الكاذب تصديق له ، وتصديق الكاذب كذب ، وهو محال على الله 82 فمتى ظهرت المعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر ، وقارن ظهورها دعوى النبوة ، علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا لمن ظهرت على يده ، وإن كان هذا العلم قد يقارنه الإنكار مكابرة . وأما السحر وأمثاله فإن سلم أن مظاهره فائقة عن 83 آثار الأجسام والجسمانيات فهي لا تعلو عن متناول القوى الممكنة فلا يقارب المعجزة في شيء . أما وجوب تلك الصفات المتقدمة للأنبياء فلأنهم لو انحطت فطرهم عن فطر أهل زمانهم ، أو تضاءلت أرواحهم لسلطان نفوس أخر ، أو مس عقولهم شيء من الضعف - لما كانوا أهلا لهذا الاختصاص الإلهي الّذي يفوق كل اختصاص : اختصاصهم بوحيه ، والكشف لهم عن أسرار علمه ، ولو لم تسلم أبدانهم عن المنفرات لكان انزعاج النفس لمرآهم ، حجة للمنكر في إنكار دعواهم ، ولو كذبوا أو خانوا أو قبحت سيرتهم لضعفت الثقة بهم ، ولكانوا مضلين لا مرشدين فتذهب الحكمة من بعثهم ، والأمر كذلك لو أدركهم السهو أو النسيان فيما عهد إليهم تبليغه من العقائد والأحكام . وأما وقوع الخطأ منهم فيما ليس من الحديث عن اللّه ولا له مدخل في التشريع فجوّزه بعضهم والجمهور على خلافه ، وما ورد من مثل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تأبير النخل 84 ثم أباحه لظهور أثره في الإثمار فإنما فعله عليه الصلاة والسلام ليعلم الناس أن ما يتخذونه من وسائل الكسب وطرق الصناعات فهو موكول لمعارفهم وتجاربهم ، ولا حظر عليهم فيه ما دامت الشرائع مرعية ، والفضائل محمية ، وما حكاه اللّه من قصة آدم وعصيانه بالأكل من الشجرة فما خفى فيه سر النهى من الأكل والمؤاخذة عليه . وغاية ما علمناه من حكمته أنه كان سببا لعمارة الأرض ببنى آدم كأن النهى والأكل رمزان إلى طورين من أطوار آدم عليه السلام ، أو مظهران من مظاهر النوع الإنسانى في الوجود ، والله أعلم 85 . ومن العسر إقامة الدليل العقلي أو إصابة دليل شرعي يقطع بما ذهب إليه الجمهور .