الشيخ محمد عبده
42
رسالة التوحيد
إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهى إلى كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنسانى ؛ حسا كان أو وجدانا أو تعقلا ، ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها ، وتحصيل كليات لأنواعها ، والإحاطة ببعض القواعد لعروض ما يعرض لها . وأما الوصول إلى كنه 59 حقيقة ما ، فمما لا تبلغه قوته ؛ لأن اكتناه المركبات 60 إنما هو باكتناه ما تركبت منه ، وذلك ينتهى إلى البسيط الصرف ، وهو لا سبيل إلى اكتناهه بالضرورة ، وغاية ما يمكن عرفانه منه هو عوارضه وآثاره . خذ أظهر الأشياء وأجلاها كالضوء ، قرر الناظرون فيه له أحكاما كثيرة فصلوها في علم خاص به ، ولكن لم يستطع ناظر أن يفهم ما هو ، ولا أن يكتنه معنى الإضاءة نفسه ، وإنما يعرف من ذلك ما يعرفه كل بصير له عينان . وعلى هذا القياس . ثم إن الله لم يجعل للإنسان حاجة تدعو إلى اكتناه شيء من الكائنات ، وإنما حاجته إلى معرفة العوارض والخواص ، ولذة عقله إن كان سليما وإنما هي تحقيق نسبة تلك الخواص إلى ما اختصت به وإدراك القواعد التي قامت عليها تلك النسب ، فالاشتغال بالاكتناه إضاعة للوقت وصرف للقوة إلى غير ما سيقت إليه . اشتغل الإنسان بتحصيل العلم بأقرب الأشياء إليه وهي نفسه ، وأراد أن يعرف بعض عوارضها ، وهل هي عرض أو جوهر ؟ هل هي قبل الجسم أو بعده ؟ هل هي فيه أو مجردة عنه ؟ كل هذه صفات لم يصل العقل إلى إثبات شيء منها يمكن الاتفاق عليه ، وإنما مبلغ جهده أنه عرف أنه موجود حي له شعور وإرادة ، وكل ما أحاط به بعد ذلك من الحقائق الثابتة فهو راجع إلى تلك العوارض التي وصل إليه ببديهته ، أما كنه شيء من ذلك بل وكيفية اتصافه ببعض صفاته فهو مجهول عنده ولا يجد سبيلا للعلم به . هذا حال العقل الإنسانى مع ما يساويه في الوجود أو ينحط عنه ، بل كذلك شأنه فيما يظن من الأفعال أنه صادر عنه ، كالفكر ، وارتباطه بالحركة والنطق ، فما يكون من أمره بالنسبة إلى ذلك الوجود الأعلى ؟ ما ذا يكون دهشه بل انقطاعه إذا وجه نظره إلى ما لا يتناهى من الوجود الأزلي الأبدي ؟ .