الشيخ محمد عبده

30

رسالة التوحيد

وأيضا الممكنات الموجودة ، سواء كانت متناهية أو غير متناهية ، قائمة بوجود ، فذلك الوجود إما أن يكون مصدره ذات الإمكان ، وماهيات الممكنات ، وهو باطل ؛ لما سبق في أحكام الممكن من أنه لا شيء من الماهيات الممكنة بمقتض للوجود ، فتعين أن يكون مصدره سواها ، وهو الواجب بالضرورة . أحكام الواجب القدم والبقاء ونفى التركيب من أحكام الواجب : أن يكون قديما أزليا ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان حادثا ، والحادث ما سبق وجوده بالعدم ، فيكون وجوده مسبوقا بعدم ، وكل ما سبق بالعدم يحتاج إلى علة تعطيه الوجود ، وإلا لزم رجحان المرجوح بلا سبب ، وهو محال ، فلو لم يكن الواجب قديما لكان محتاجا في وجوده إلى موجد غيره ، وقد سبق أن الواجب ما كان وجوده لذاته ، فلا يكون ما فرض واجبا ، وهو تناقض محال ، ومن أحكامه : أن لا يطرأ عليه عدم ، وإلا لزم سلب ما هو للذات عنها ، وهو يعود إلى سلب الشيء عن نفسه ، وهو محال بالبداهة . من أحكامه : أن لا يكون مركبا ، إذ لو تركب لتقدم وجود كل جزء من أجزائه على وجود جملته التي هي ذاته ، وكل جزء من أجزائه غير ذاته بالضرورة ، فيكون وجود جملته محتاجا إلى وجود غيره ، وقد سبق أن الواجب ما كان وجوده لذاته . ولأنه لو تركب لكان الحكم له بالوجود موقوفا على الحكم بوجود أجزائه . وقد قلنا إنه لذاته من حيث هي ذاته ؛ ولأنه لا مرجح لأن يكون الوجوب له دون كل جزء من أجزائه بل يكون الوجوب لها أرجح ، فتكون هي الواجبة دونه نفى التركيب في الواجب شامل لما يسمونه حقيقة عقلية 39 أو خارجية ، فلا يمكن للعقل أن يحاكى ذات الواجب بمركب ؛ فإن الأجزاء العقلية لا بدّ لها من منشأ انتزاع في الخارج ، فلو تركبت الحقيقة العقلية لكانت الحقيقة مركبة في الخارج ، وإلا كان ما فرض حقيقة عقلية اعتبارا 40 كاذب الصدق لا حقيقة .