الشيخ محمد عبده

28

رسالة التوحيد

أحدهما بلا سبب لزم رجحان أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح وهو محال بالبداهة 34 . ومن أحكامه : أنه إن وجد يكون حادثا ؛ لأنه قد ثبت أنه لا يوجد إلا بسبب ، فإما أن يتقدم وجوده على وجود سببه ، أو يقارنه ، أو يكون بعده ، والأول باطل . وإلا لزم تقدم المحتاج على ما إليه الحاجة وهو إبطال لمعنى الحاجة ، وقد سبق الاستدلال على ثبوتها فيؤدى إلى خلاف المفروض . والثاني كذلك وإلا لزم تساويهما في رتبة الوجود 35 فيكون الحكم على أحدهما بأنه أثر والثاني مؤثر ترجيحا بلا مرجح وهو مما لا يسوغه العقل ، على أن علية أحدهما ومعلولية الآخر رجحان بلا مرجح وهو محال بالبداهة ، فتعين الثالث وهو أن يكون وجوده بعد وجود سببه ، فيكون مسبوقا بالعدم في مرتبة وجود السبب ، فيكون حادثا إذ الحادث ما سبق وجوده بالعدم ، فكل ممكن حادث . الممكن لا يحتاج في عدمه إلى سبب وجودي ؛ لأن العدم سلب ، والسلب لا يحتاج إلى إيجاد بداهة ، فيكون عدم الممكن لعدم التأثير فيه ، أو لعدم ما كان سببا في بقائه ، أما في وجوده فيحتاج إلى سبب وجودي ضرورة ، لأن العدم لا يكون مصدرا للوجود ، فالموجود إن حدث فإنما يكون حدوثه بإيجاد ، وذلك كله بديهي . كما يحتاج إلى السبب في وجوده ابتداء يحتاج إليه في البقاء ؛ لما بينا أن ذات الممكن لا تقتضى الوجود ، ولا يرجح لها الوجود عن العدم 36 إلا للسبب الخارجي الوجودي ، فذلك لازم من لوازم ماهية الإمكان ، لا يفارقها من حيث هي ، فلا يكون للممكن حالة يقتضي فيها الوجود لذاته ، فيكون في جميع أحواله محتاجا إلى مرجح الوجود عن العدم ، لا فرق بين الابتداء والبقاء . معنى السبب - على ما ذكرنا - منشأ الإيجاد ومعطى الوجود وهو الّذي يعبر عنه بالموجد ، وبالعلة الموجدة ، وبالعلة الفاعلة ، وبالفاعل الحقيقي ، ونحو ذلك من العبارات التي تختلف مبانيها ، ولا تتباين معانيها ، وقد يطلق السبب أحيانا على الشرط أو المعد الّذي يهيئ الممكن لقبول الإيجاد من موجده ، وهو بهذا المعنى قد يحتاج إليه في الابتداء ويستغنى عنه في البقاء وقد تكون الحاجة إلى وجوده ثم