الشيخ محمد عبده

21

رسالة التوحيد

هذا هو السبب في خلط مسائل الكلام بمذاهب الفلسفة في كتب المتأخرين كما تراه في كتب البيضاوي والعضد وغيرهم 26 وجمع علوم نظريات شتى وجعلها جميعا علما واحدا ، والذهاب بمقدماته ومباحثه إلى ما هو أقرب إلى التقليد من النظر فوقف العلم عن التقدم . ثم جاءت فتن طلاب الملك من الأجيال المختلفة ، وتغلب الجهال على الأمر ، وفتكوا بما بقي من أثر العلم النظري النابع من عيون الدين الإسلامي ، فانحرفت الطريق بسالكيها ، ولم يعد بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في الألفاظ أو تناظر في الأساليب ، وعلى أن ذلك في قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها القصور 27 . ثم انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم ، فجاء قوم ظنوا في أنفسهم ما لم يعترف به العلم لهم فوضعوا ما لم يعد للإسلام قبل باحتماله ، غير أنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا ، ومن البعد عن ينابيع الدين أعوانا ، فشردوا بالعقول عن مواطنها ، وتحكموا في التضليل والتكفير ، وغلوا في ذلك حتى قلدوا بعض من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم والدين ، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب : هذا حلال وهذا حرام ، وهذا كفر وهذا إسلام ، والدين من وراء ما يتوهمون ، واللّه جل شأنه فوق ما يظنون وما يصفون 28 . ولكن ما ذا أصاب العامة في عقائدهم ومصادر أعمالهم من أنفسهم بعد طول الخبط وكثرة الخلط ؟ شر عظيم ، وخطب عميم . هذا مجمل من تاريخ هذا العلم 29 ينبئك كيف أسس على قواعد من الكتاب المبين ، وكيف عبثت به في نهاية الأمر أيدي المفرقين حتى خرجوا به عن قصده ، وبعدوا به عن حده . والّذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد ، لا دين تفريق في القواعد ، والعقل من أشد أعوانه ، والنقل من أقوى أركانه ، وما وراء ذلك فنزعات شياطين ، وشهوات سلاطين ، والقرآن شاهد على كل بعمله ، قاض عليه في صوابه وخطله .