مجموعة مؤلفين
29
ميراث حوزه اصفهان ( رسائل إجالة الفكر للهندي وأجل محتوم ، تجسم الأعمال ، سهو النبي ووحدت وجود للخواجوئي )
ندّعي أنّ وقوع الأفعال الاختياريّة للعبد بقدرته أمر ضروريّ لا شكّ فيه ، حتّى أنّه لو سئل الصبيان لحكموا بأنّ أفعالهم صادرة عنهم ، حكما لا يقفون فيه ؛ ولا نفرّق بين حكمهم هذا وحكمهم بأنّ الكلّ أعظم من الجزء ، ولذا قال أبو الهذيل العلّاف : إنّ حمار بشر أعقل من بشر ، لأنّ حمار بشر يعلم لو أتيت به إلى جدول صغير وضربته للعبور فإنّه يطفر ، ولو أتيت به إلى جدول كبير وضربته فإنّه لا يطفر ويروح عنه ، لأنّه فرق بين ما يقدر على طفره وبين ما لا يقدر عليه ، وبشر لا يفرق بين المقدور وغير المقدور . هذا ما نقل عن العلّاف ، فإنّه لغاية دعوى بداهة هذا الحكم نسب العلم بهذا الحكم إلى الحمار الّذي هو أبلد حيوانات العجم بحيث يضرب المثل ببلادته . وممّا يؤيّد ما ذكرنا من الضرورة أنّه إذا ذكر ما ذهبوا إليه هؤلاء الجهلة عند عوامّهم المتعصّبين في مذهبهم استنكروه ، ونزّهوا مشايخهم عن القول بذلك ، واغتاظوا على من نقل عنهم مثل هذه الشنيعة . فلنرجع إلى ذكر الدلائل التنبيهيّة على ما هو الحقّ : فالأوّل منها : إنّا نعلم ضرورة أن لا فرق بين حركتنا ارتعاشا وحركة أغصان الشجر بالريح ، وإنّه فرق بيّن بين حركتنا اختيارا وحركة الأغصان بالريح ، وما ذلك إلّا لأنّ الحركة الأولى لا تصدر عنّا بل إنّما نحن محلّها ، وفاعلها غيرنا ، كالريح المحرّك للأغصان ، والحركة الثانية إنّما تصدر عنّا ونحن فاعلوها ، وحركة الأغصان بخلاف ذلك وأمّا ما ادّعوه من الكسب : فإن أرادوا به المحلّيّة فهو في الأغصان موجود بلا استرابة . وإن أرادوا به العزم فيلزم أن يكون العازم على الصعود على السطح بلا مدرج إذا أصعده آخر فاعلا لهذا الصعود باختياره ، ولا يخفى فساده . وإن أرادوا به معنى آخر فليبيّنوه ، مع أنّه ليس شيء من المعاني معنى القدرة ، فإنّ القدرة لا معنى لها إلّا صحّة الفعل والترك ، أو كون القادر بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، وأمّا إطلاقها على معنى آخر فليس إلّا مجرّد اصطلاح . قيل : مثل العبد في صدور الفعل مثل القوى الّتي ركّبت في البدن ، فإنّه تنسب إليها الأفعال مع أنّها ليست بصادرة عنها عند المعتزلة وغيرهم ، فلا معنى لنسبة الفعل إليها إلّا