ابن تيميه

94

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

المصلحة ما عارض المفسدة ، وحينئذ فإن كانت مباحة حصل المقصود ، واستحباب مثل هذه الزيارة يفتقر إلى دليل آخر ، فالفرق بين زيارة المؤمنين والكفار فرق معلوم ، فإن الدعاء للمؤمنين حقّ لهم ؛ كعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم ، ونحن إن جوّزنا أن يعاد المريض الذميّ فليس ذلك حقا له كالمسلم ، وأما جنازته فإن السنة أن يركب ويمشي أمامها فإنه لا يكون تابعا لها ، كما نقل مثل ذلك عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، ودلّ عليه حديث المغيرة بن شعبة ؛ الراكب خلف الجنازة وعن يمينها ويسارها ، وقريبا منها ، رواه الترمذي . وفي الحديث الآخر الذي في السنن عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : ليس منها من تقدمها ، فإذا ركب وتقدّمها لم يكن تابعا لها . ولو قدّر أن الأمر بعد الحظر يقتضي عند الإطلاق الوجوب ؛ ففي هذا الحديث قد اتفق المسلمون على أنه ليس للوجوب ، لا سيما وسببه زيارة قبر أمه . ولا يجب على المسلمين زيارة أقاربهم الكفار باتفاق المسلمين . وأما النزاع بين المسلمين ؛ هل زيارة القبور مستحبة أو مباحة أو منهي عنها ؟ لم يقل أحد بوجوبها . فتبين أن ما ذكره ليس فيه ما يدلّ على محل النزاع ؛ وهو استحباب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين لدعائهم والرغبة إليهم ، إذ هذا مقصود المسافرين ، ليس مقصودهم الدعاء لهم والاستغفار لهم ، بل قد ينهون عن ذلك ، ويستعظمون أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى دعاء الأحياء ، ومنهم من إذا قيل له : سلّم على فلان . ينهى عن ذلك ، ويقول : السلام علينا من فلان ، فيتخذونهم أربابا . فإنه لا يجيب الدعوات ، ويفرج الكربات ، وينزّل الرزق ، ويهدي القلوب ، ويغفر الذنوب ، إلا اللّه وحده لا شريك له . كما قال تعالى : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 135 ] . وقال تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ إلى قوله : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ . وقال تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ . إلى قوله : مَحْذُوراً [ الإسراء : 56 ، 57 ] . وهذه تتناول كل من يدعى من دون اللّه ممن هو مؤمن من الملائكة والإنس والجن ، وقد فسّرها السلف بهذا كله . وقال ابن مسعود : « كان أناس من الإنس يعبدون قوما من الجن ، فأسلم الجن وتمسّك الآخرون بعبادتهم ، فنزلت هذه الآية » « 1 » . وقال السدي أيضا : عن أبي صالح عن ابن عباس : هو عيسى وأمه وعزير . وقال السدي أيضا : ذكروا أنهم اتخذوا الآلهة ، وهو حين عبدوا الملائكة والمسيح عليه السلام وعزير . فقال اللّه تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [ الإسراء : 57 ] . وقد قال تعالى : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4714 ، 4725 ) ومسلم ( 3030 ) .