ابن تيميه

92

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وهذا كله مما نهى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الأحاديث الصحيحة ، فكيف يشبّه ما نهى عنه وحرّمه بما سنّه وفعله ؟ وهذا الموضع يغلط فيه هذا المعترض وأمثاله ، ليس الغلط فيه من خصائصه ، ونحن نعدل فيه ونقصد قول الحق والعدل فيه ، كما أمر اللّه تعالى ؛ فإنه أمر بالقسط على أعدائنا الكفار ، فقال سبحانه وتعالى : كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا [ المائدة : 8 ] . فكيف بإخواننا المسلمين ، والمسلمون إخوة ، واللّه يغفر له ويسدّده ويوفقه وسائر إخواننا المسلمين . الجواب الرابع : أنه لو قدّر أن هذا اللفظ عام ؛ فأحاديث النهي عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة تخصّص هذا ، كما تخصّص إتيان المساجد ، ومعلوم أن إتيان المساجد أفضل من إتيان المقابر ونحوها ، والسفر إليها أفضل . فإذا كان قد نهي عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة ؛ فالنهي عما يكون إتيانه والسفر إليه دون إتيان المساجد أولى ، ولهذا لم يقل أحد من المسلمين إنه يسافر إلى القبور دون المساجد بخلاف العكس ، فإنه يحكى عن الليث بن سعد . الجواب الخامس : أن يقال : ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن السفر إليها مستحبّ بل ولا زيارتها من قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » . وفي لفظ : « ولا تقولوا هجرا ، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ، ولا تشربوا مسكرا ، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادّخروا ما بدا لكم » . رواه مسلم في صحيحه عن بريدة بن الحصيب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فاشربوا في الأوعية كلها ولا تشربوا مسكرا » « 1 » . وقد اتفق المسلمون على أن الانتباذ في الأوعية والادخار أراد به إباحة ذلك بعد حظره ، لم يرد به الندب إلى ذلك ، فكذلك قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » قد يقال : لم يرد به الندب ، ولا يلزم من إباحتها ولا من الندب إليها إباحة السفر ، كإتيان المساجد . وقوله - أعني المعترض - : المشهور أن الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب . يقال له : الجواب من وجهين : أحدهما : أن المعروف عن السلف والأئمة أن صيغة « افعل » بعد الحظر ترفع الحظر المتقدم ، وتعيد الفعل إلى ما كان عليه « 2 » ، بهذا جاء الكتاب والسنة ؛ كقوله

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 977 ) . ( 2 ) ذهب إلى هذا القول أكثر الحنابلة ، وهو اختيار الزركشي ، والكمال بن الهمام من الحنفية ، وبه قال الأرموي . -