ابن تيميه

55

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

أهل البقيع وشهداء أحد ، وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كان ذلك منهيا عنه عندهم ، لكن إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمنا وتبعا ، كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ، فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك كان يأتي مسجده ويزور قبره ، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك ، وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة ، فأهل المدينة يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم ، والغرباء إنما يقيمون بالمدينة أياما . وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وفي المسجد الحرام ، فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه . وأما أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل . قال مالك : التنفل فيه للغرباء أحبّ إليّ من التنفل في البيوت . وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد ، وأهل البلد يصلّون فيه دائما الفرض ، فيحصل مقصودهم بذلك ، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أيها الناس ؛ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلّم في النساء : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه ، وبيوتهن خير لهن » « 2 » . وأما الغرباء فلا يمكنهم أن يصلّوا الفرض فيه دائما ، لأن الفرائض لها أوقات محدودة ، فيستكثروا من التنفل فيه ، وكذلك المسجد الحرام . ولهذا استحبّوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضّلوه على الصلاة . قال ابن القاسم : « الطواف بالبيت للغرباء أحب إليّ من الصلاة » « 3 » . وذلك لأن الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت ، بخلاف أهل البلد فإنه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات . وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا اعتمروا . ولهذا قال ابن عباس : يا أهل مكة ؛ لا عمرة عليكم ، إنما عمرتكم الطواف بالبيت . وقد نص أحمد على مثل ما قال ابن عباس مع قوله بوجوب العمرة على غيرهم في المشهور عنه . ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة ، ومنهم من تأولها ، ولكن المنصوص عنه الفرق كقول ابن عباس . ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك عند إرادة السفر .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 731 ، 6113 ، 7290 ) ومسلم ( 781 ) وأحمد ( 5 / 182 ، 186 ) وأبو داود ( 1044 ) والنسائي ( 3 / 197 - 198 ) وفي « الكبرى » ( 1 / رقم : 1291 ) والترمذي ( 450 ) وغيرهم . من طريق : بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت مرفوعا . ( 2 ) أخرجه بهذا اللفظ أحمد ( 2 / 76 ، 77 ) وأبو داود ( 567 ) والحاكم ( 1 / 209 ) والبيهقي ( 3 / 131 ) وغيرهم . من طريق حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر مرفوعا . وهو حديث صحيح ؛ انظر « إرواء الغليل » للمحدث الألباني ( 2 / 293 / 515 ) . وأصل الحديث في « الصحيحين » لكن دون لفظ : « وبيوتهن خير لهن » . ( 3 ) « المدونة » ( 1 / 407 ) .