ابن تيميه
50
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وضلالا أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه ، بل كفى بمن قال ذلك جهلا وضلالا سواء كان مالكيا أو غير مالكيّ مع عظم قدر مالك بإجماع أهل الإسلام الخاص منهم والعام ، بل لم يكن في وقته مثله . وقد روى الترمذي وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة » « 1 » . قال غير واحد : كانوا يرونه مالك بن أنس ، فلو كان ما قاله هو وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة لم يكن ذلك من مسائل التكفير ، ولا من معاداة الأنبياء ومعاندتهم . فكيف والذي قاله مالك بن أنس هو قول سائر الأئمة كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ومسائلهم ؟ والذين خالفوه غايتهم أن قالوا : إن السفر جائز . ولو قدر أن بعضهم قالوا : هو مستحب ؛ فليس فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقّص الأنبياء أو عاداهم أو عاندهم ، بل قائل هذا من أجهل الناس . وهو في هذه المقالة بالنصارى أشبه منه بالمسلمين . وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق - وهو من أجلّ علماء المسلمين ومن أجل من قلد قضاء القضاة ، حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بني العباس في خلافة المعتضد - ذكر في كتابه « المبسوط » ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء والصلاة
--> ( 1 ) حديث ضعيف . أخرجه أحمد ( 2 / 299 ) والترمذي ( 2680 ) والحاكم في « المستدرك » ( 1 / 90 - 91 ) وابن حبان ( 9 / 52 / 3736 ) وابن أبي حاتم في تقدمة « الجرح والتعديل » ( ص 11 - 12 ) والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 1 / 386 ) والخطيب البغدادي في « تاريخ بغداد » ( 5 / 306 ) ( 6 / 376 ) و ( 13 / 17 ) والفسوي في « المعرفة والتأريخ » ( 1 / 346 - 347 ) وابن عدي في « الكامل » ( 1 / 101 ) وابن الجوزي في « مثير العزم الساكن » ( 2 / 284 / 460 ) وابن عبد البر في « التمهيد » ( 1 / 85 ) وفي « الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء » ( ص 20 - 21 ) والذهبي في « السير » ( 8 / 55 ) وغيرهم . من طريق : سفيان بن عيينة ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا . قال الترمذي : « حديث حسن » . وقال الحاكم : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه » . ووافقه الذهبي في « التلخيص » . لكن ذكر ابن الملقن في « مختصر استدراك الذهبي على المستدرك » ( 1 / 84 ) عن الذهبي قوله : « قلت : إنما لم يخرجه مسلم ؛ لأنه سأل البخاري عنه ، فقال : له علّة ؛ وهي أن أبا الزبير لم يسمع من أبي صالح » . قلت : الإسناد ضعيف ؛ فإن ابن جريج مدلّس وكذا أبا الزبير ، ولم يصرّح أحدهما بالتحديث في شيء من طرق الحديث . قال الدارقطني : « تجنّب تدليس ابن جريج فإن تدليسه قبيح ، لا يدلّس إلا فيما سمعه من مجروح » . أضف إلى ذلك العلّة التي ذكرها الذهبي وهي : عدم سماع أبي الزبير من أبي صالح . فالعجيب من صنيع المحدث أحمد شاكر - رحمه اللّه - في تحقيقه على « المسند » ( 15 / 135 ) إذ قال : « إسناده صحيح » ! . والحديث ضعفه المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه اللّه - في تحقيقه على « المشكاة » رقم ( 246 ) .