ابن تيميه

41

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

ثم لهذا القول مأخذان : أحدهما : أن السفر إليه سفر إلى مسجده ، وهذا المأخذ هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه . والمأخذ الثاني : أن نبيّنا لا يشبّه بغيره من النبيّين ، كما قال طائفة من أصحاب أحمد : إنه يحلف به ، وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه ، وهو رواية عن أحمد . ومن أصحابه من قال في المسألتين : حكم سائر الأنبياء كحكمه ، قاله بعضهم في الحلف بهم ، وقاله بعضهم : في زيارة قبورهم ، وكذلك أبو محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة . وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا : المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب ، ونفي الوجوب بالنذر لا نفي الجواز ، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم ، وهو قول ابن عبد البرّ وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد . فهذان القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب ، ولم يعرف أحدا معروفا من العلماء المسمّين في الكتب أنه يستحبّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين . ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه ، لكنه لم يعرف ذلك ، وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك ، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك . وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب ، فإنه من المعلوم أن مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم يستحبّ السّفر إليه بالنص والإجماع ، فالمسافر إلى قبره لا بدّ إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده ، ولا يدخل ذلك في جواب المسألة ، فإن الجواب إنما كان عمّن سافر لمجرد زيارة قبورهم ، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا ؛ فإنه يعلم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه ، وهو يسافر إلى مسجده ، فكيف لا يقصد السفر إليه ؟ وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بدّ أن يقصده . وإنما ينتفي القصد مع الجهل ؛ إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحبّ لكونه مسجده ، لا لأجل القبر ، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده . فأما مع العلم بالأمرين فلا بدّ أن يقصد السفر إلى مسجده ، ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور ، من وجوه متعددة كما قد بسط في مواضع . وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو معتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه ؛ يسافرون إليه ليدعوه ويدعوا عنده ، ويدخلون إلى قبره ويقعدون عنده ، ويكون عليه أو عنده مسجد بني لأجل القبر ، فيصلون في ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر .