ابن تيميه
228
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] . وهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين ، لا يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك ، قال اللّه تعالى : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ الشورى : 21 ] وقال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً إلى قوله : ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشورى : 13 ] والدين الذي شرعه إما واجب ، وإما مستحب ، فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة ؛ كانت من الشرك والبدع . والحجّ إلى القبور ليس من شرعه ، لا واجبا ولا مستحبا ، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثا صحيحا في استحباب ذلك ، ولا عن أصحابه ، ولا علماء أمته ، وإنما ينقل في ذلك أحاديث مكذوبة ، فهي من الإفك والشرك . وإنما السفر إلى المساجد الثلاثة لأنه سفر إلى بيوت اللّه التي بنتها الأنبياء لعبادته ، واحدها يجب الحج إليه ، والآخر أن يستحب السفر إليهما . والحج الواجب كما يختص بذلك المكان فهو يختص بأعمال لا تشرع في غيره ، كالطواف بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى ، ورمي الجمار ، وسوق الهدي إلى هناك ، وغير ذلك . وأما المسجدان الآخران فلا يشرع فيهما إلا من جنس ما يشرع لسائر المساجد ؛ كالصلاة والذكر والدعاء والاعتكاف ، لكن للعبادة فيهما فضيلة على العبادة في سائر المساجد أوجبت تلك الفضيلة أن يشرع السفر إليهما . وقبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم مجاور مسجده فإذا أتى مسجده فعل فيه ما يشرع له من حق الرسول من الصلاة والسلام وغير ذلك ، وكل ما يفعله من ذلك في مسجده فهو مشروع في سائر المساجد والأمكنة ، لكن مسجده أفضل ، فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام . وهذا الفعل المشروع في حقه ، كالصلاة والسلام هل يسمى زيارة لقبره ، ويطلق ذلك عليه ؟ على قولين معروفين . فإنه لا يوصل إلى قبره ويزار الزيارة المعروفة في حق غيره ، بل قد منع الناس من ذلك ، فما بقي المشروع هناك كالمشروع من الزيارة لسائر القبور ، إذا كان اللّه قد خص نبيه بالأمر بالصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان ، وخصّ بالدفن في حجرته ، فلا يصل أحد إليه لئلا يتّخذ قبره مسجدا ووثنا وعيدا . وكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الربّ وإخلاص الدين له ، وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم ، فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرا ، صلى اللّه عليه وسلّم تسليما ، والحمد للّه وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه وسلم ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .