ابن تيميه
226
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
جهات أخرى فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخّرة لمنافع العباد ، وكونها تسجد للّه وتسبّحه ، وكونها من آياته العظيمة ، بل من جهة كونها شركا للّه ، وقوله : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ وإن كان يقال : ما يعبدونه ، إن من شرككم فقد صرح في قوله : إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي بريء من المعبودين من دون اللّه ، وكذلك قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 75 - 77 ] . أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقا ، والشمس والقمر والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها آلهة معبودة ، فتبغض من هذه الجهات وتعادى مع وجوب الإيمان بالملائكة ، وإذا قيل للنصارى نحن براء من شرككم ومما تعبدون من دون اللّه ، وقد قال تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ المائدة : 76 ] هذا بعد قوله تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] فقد عبد المسيح وغيره ، فالبراءة من كل معبود سوى اللّه ؛ كالبراءة من كل إله سوى اللّه ، وذلك براءة من الشرك ومن كون ما سوى اللّه معبودا ، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولا كريما وجيها عند اللّه ، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق ، والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرّءون ممن عبدوهم ، ويعادونهم ولا يوالونهم ، قال اللّه تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ إلى قوله تعالى : أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ سبأ : 40 ، 41 ] وقال تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الفرقان : 17 ] الآية . وقال تعالى : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [ القصص : 62 ] الآية . وقال تعالى : أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ [ الكهف : 102 ] وقال تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [ الشورى : 9 ] وقال تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [ الأنعام : 14 ] الآية . وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم دونه ، فمن أحبهم ووالاهم للّه فهو موحّد ، ومن جعلهم أندادا أحبهم كما يحب اللّه فهو مشرك ، فالحب للّه توحيد وإيمان ، والحب كما يحبّ اللّه شرك وكفر . وكذلك الشفاعة ، قال تعالى : ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [ السجدة : 4 ] وقال تعالى : لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [ الأنعام : 70 ] وقال عزّ وجلّ : ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [ يونس : 3 ] وقال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وقال تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ سبأ : 23 ] فتبيّن أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له ، حتى إذا قضي بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان ، وصعقوا فلا يعلمون ما قال : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ