ابن تيميه
224
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وهم يسبّون اللّه ويصفونه بالنقائص والعيوب ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يقول اللّه : شتمني ابن آدم ، وما ينبغي له ذلك ، وكذّبني وما ينبغي له ذلك . فأما شتمه إياي فقوله : إني اتخذت ولدا ، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . وأما تكذيبه إيّاي فقوله : إنه لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته » « 1 » . رواه البخاري من حديث ابن عباس « 2 » فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبّونه ، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى : « لا ترحموهم فقد سبّوا اللّه سبّة ما سبّه إياها أحد من البشر » . وهذا نظير ما ذكره اللّه تعالى عن المشركين بقوله : وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [ الأنبياء : 36 ] أي يعيبها وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ [ الأنبياء : 36 ] . فكانوا ينكرون على محمد عليه السلام أن يذكر آلهتهم بما تستحقه ، وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك ، كما قال تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 108 ] . وهكذا من فيه شبه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم ، إذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك ، وهو وأصحابه يستخفّون بعبادة اللّه وحده وبحقّه وبحرماته وشعائره ، ولا ينكر ذلك . ويحلف أحدهم باللّه ويكذّب ، ويحلف بمن يعظّمه ويصدّق ، ولا يستجيز الكذب إذا حلف به ، وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين . وكذلك قد يعيبون من نهى عن شركهم ؛ كالحج إلى القبور التي يحجّون إليها عادة ، وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت اللّه ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه . وقد ينهون عن الحج اعتياضا إلى القبور ، ويقولون : هذا الحج الأكبر ، وهؤلاء من جنس المشركين وعبّاد الأوثان . وكذلك هذا المعترض وأمثاله يرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالا بحقهم ، ومعاداة لهم ، ونحو ذلك . وهم لا يرون الشرك باللّه ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه أولياء ؛ إخلالا بحقه ومعاداة له . ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء اللّه عزّ وجلّ ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [ الممتحنة : 1 ] إلى قوله : حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [ الممتحنة : 4 ] فأمر بالتأسي بإبراهيم ومن معه لما تبرّءوا من المشركين وما يعبده المشركون ، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا باللّه وحده . فالمشرك
--> - وانظر « المجمع » ( 6 / 24 - 27 ) . وتحقيق العلامة محمد شاكر على « المسند » رقم ( 1740 ) و « فقه السيرة » بتخريج الشيخ الألباني ( ص 115 ) . ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3193 ، 4974 ، 4975 ) . ولم يخرجه مسلم ، فعزوه للصحيحين وهم ، واللّه أعلم . ( 2 ) برقم ( 4482 ) .