ابن تيميه
220
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
قول هذا وقول هذا ، وقد غلط بعض الناس فظن أنه أضافه إلى الرسول لأنّه أحدث القرآن العربي وعبّر به عن المعنى الذي فهمه ، وهذا باطل من وجوه . إذ لو كان هذا حقا تناقض الخبران ، فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآخر أحدثه ، فإنه إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه ، بخلاف ما إذا بلّغه فإنه يبلّغه هذا إلى هذا ، وهذا إلى الناس ، والناس يبلّغونه بعضهم إلى بعض ، كما قال تعالى : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : 19 ] وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « بلّغوا عني ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » « 1 » . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا ؛ أن اللّه أوجب علينا الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن ، فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم مجملا ، وأما محمد صلى اللّه عليه وسلّم فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به ، وأن نصدّقه في كل ما أخبر به ، وغيره من الأنبياء عليهم السلام علينا أن نؤمن بأن كل ما أخبروا به عن اللّه فهو حقّ ، وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين العام ؛ مثل عبادة اللّه وحده لا شريك له ، والإيمان بالملائكة والنبيين وحمل الشرائع ، بعد ما ذكره في سورة الأنعام وسبحان « 2 » ، بل وعامة السّور المكية ، فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل ، ولكن بعض الأمور التي يقع في مثلها النسخ ؛ مثل يوم السبت ، وحلّ بعض الأطعمة وحرمتها ، واتخاذ منسك هم ناسكوه ، وهو مما تنوعت فيه الشرائع وخصّ اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلّم بأفضل الشرائع والمناهج ، وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا ، أن اللّه تعالى أمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم ، وبجميع ما أوتوا ، كما قال تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى [ البقرة : 136 ] الآية . وقال تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [ البقرة : 177 ] وقال تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [ النساء : 136 ] إلى قوله : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 152 ] . فالأنبياء وسائط بين اللّه عزّ وجلّ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده ، وما أخبر به عن نفسه وملائكته ، وغير ذلك مما كان وسيكون . وأما محمد صلى اللّه عليه وسلّم فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق ، وقد ختم اللّه به الأنبياء ، وآتاه من
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3461 ) . ( 2 ) أي : سورة الإسراء .