ابن تيميه
216
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وإنما المجاهد في سبيل اللّه من جاهد لتكون كلمة اللّه هي العليا ، ويكون الدين كله للّه ، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال : قيل : يا رسول اللّه الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حميّة ، ويقاتل رياء ؛ فأيّ ذلك في سبيل اللّه ؟ قال صلى اللّه عليه وسلّم : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » « 1 » . وقد قال اللّه تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ الأنفال : 39 ] والجهاد باللسان هو لما جاء به الرسول كما قال تعالى في السورة المكية الفرقان : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [ الفرقان : 51 ، 52 ] الآية . وإذا كان كذلك ، فالجهاد أصله ليكون الدين كله للّه ، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر ، وتكون عبادة ما سواه مقهورا مكتوما أو باطلا معدوما ، كما قال في المنافقين وأهل الذمة ، إذا كان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب فإن هدى القلوب إنما هو بيد اللّه ، وإنما يمكن حتى يكون الدين ظاهرا دين اللّه ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التوبة : 33 ] . ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين اللّه هو الشرك ، فجهاد المشركين من أعظم الجهاد ، كما كان جهاد السابقين الأولين ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » . وكلمة اللّه ؛ إما أن يراد بها كلمة معينة ؛ وهي التوحيد لا إله إلا اللّه ، فيكون هذا من نمط الآية . وإما أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله اللّه ورسوله فهو الأعلى على كل قول ، وذلك هو الكتاب ثم السنة ، فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه ، فهو القائم بكلمة اللّه ، ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول ؛ فهو الذي يستحق الجهاد . وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول اللّه ورسوله وسائر أئمة المسلمين ، فإنهم متفقون على أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » وأن شدّ الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك ، إما بطريق العموم اللفظي ، كدخول المساجد ، وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب . فإنه إذا كان السفر إلى المساجد التي هي أحبّ البقاع إلى اللّه غير مشروع ، فما دونها أولى أن لا يكون مشروعا ، ومعلوم أن الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن والاعتكاف والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد ، وهو في المساجد أفضل منه في القبور ، فإذا كان لا يسافر لذلك إلى المساجد فلا يسافر لذلك إلى القبور بطريق الأولى ، وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبّها اللّه ورسوله ، وهي إما واجبة مستحبة ، إذا لم يسافر لها لا إلى المساجد ولا إلى
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 123 ، 2810 ، 3126 ، 7458 ) ومسلم ( 1904 ) .