ابن تيميه

204

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

زعمهم . فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل الإيمان كما قد يقوله أهل الحق بمجرّد دعواه لا يقبل ، بل على المدعي أن يبين أن ما ادعاه مما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس . الوجه الثالث : إن المتنازعين من الأئمة قد يقول أهل البدع منهم والأهواء مثل هذا في أئمة السنة والجماعة ، كما يقول الرافضة : إن الصحابة خالفوا نصّ الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بالخلافة على عليّ وبدّلوه وكتموه ، وذلك أعظم من مخالفة الإجماع ، ويقولون : إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات عندهم مما حرمه اللّه من الإبضاع . ويقولون : إن الصحابة وجمهور الأمة حطّوا من مقادير أولياء اللّه عليّ وأئمة أهل بيته ، وهم الخلفاء الراشدون وهم عندهم معصومون ، وهم غلاة في عصمتهم ، وقالوا : إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط بحال ، وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدا لما يدّعونه من عصمة الأئمة أولياء اللّه ، إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء « 1 » ، وجمهورهم يقولون الناس أحوج إليهم منهم إلى الأنبياء ، وإنهم قد يستغنون عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا يستغنون عن الإمام المعصوم ، وذلك واجب عندهم في كل زمان ، وقالوا : إنه من حين صغره يكون معصوما ، حتى قالوا لأجل ذلك إن النبي يجب أيضا أن يكون قبل النبوة معصوما من الغلط والسهو في كل شيء ، وزعم بعضهم أنه لا بدّ أن يكون النبيّ والإمام عارفا بلغة كل من بعث إليهم على اختلاف لغاتهم وكثرتها ، ولا بد أيضا أن يكون عالما بالصنائع والمتاجر وسائر الحرف ، ليكون مستغنيا بعلمه عن الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا ، وذلك يوجب رجوع المعصوم إلى غير المعصوم وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط ، ولأن رجوعه إليهم يقتضي نقصه عندهم وحاجته . وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء فقد تعرّض لتنقيص الأنبياء وحطّ من مقادير الأئمة والأولياء . وعندهم أن من قال ذلك فقد تجرّأ بما ادّعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة ، فتعين عندهم مجاهدته والقيام عليه والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه ، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين ولأولياء اللّه أئمّة الدين . وبهذا ونحوه استحلّ أهل البدع تكفير جمهور المسلمين وقتالهم ، واستحلّوا دماءهم وأموالهم وسبي عيالهم ، واستعانوا عليهم بالكفار من النصارى والمشركين

--> ( 1 ) كما قال صاحب كتاب « الحكومة الإسلامية » ( ص 52 ) : « وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث ، فإن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والأئمة ( ع ) كانوا قبل هذا العالم أنوارا . . . إلى أن قال : وقد ورد عنهم ( ع ) : إن لنا مع اللّه حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل » ! ! . أقول : « سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم » .