ابن تيميه
178
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وقيل : إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم . فإذا قيل : ولا بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم لزم طرد الدليل . فقيل : ولا يحلف بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم كما قاله جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين . ومن الناس من يستثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف ، فجوزوا الحالف به ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، اختارها طائفة من أصحابه ؛ كالقاضي أبي يعلى وأتباعه ، وخصّوه بذلك . وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء ، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات ، لكن قول الجمهور أصح « 1 » . لأن النهي هو الحلف بالمخلوقات كائنا من كان ، كما وقع النهي عن عبادة المخلوق ، وعن تقواه وخشيته والتوكّل عليه ، وجعله ندا للّه ، وهذا متناول لكل مخلوق ؛ نبينا وسائر الأنبياء ، والملائكة وغيرهم . فكذلك الحلف بهم ، والنذر لهم أعظم من الحلف بهم ، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم . وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه . ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال ؛ قيل : يقصر الصلاة مطلقا في كل سفر لزيارة القبور . وقيل : لا يقصر مطلقا في شيء من ذلك . وقيل : يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة . وقيل : بل لزيارة قبره صلى اللّه عليه وسلّم وقبور سائر الأنبياء . فالذين استثنوا نبينا قد يعلّلون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده ، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق ، فتقصر فيه الصلاة ، بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه سفر لمجرّد القبر . وقد يستثنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في الحلف ، ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء . والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده صلى اللّه عليه وسلّم . ثم إن الناس أقسام ؛ منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده ، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع ، فهذا سفر مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه . ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر ، ولا يقصد الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه ، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع . ومنهم من يقصد هذا وهذا ، فهذا لم يذكر في الجواب ، إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين . ومن الناس من لا يقصد إلا القبر ؛ لكن إذا أتى المسجد صلّى فيه ، فهذا أيضا يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم والسلام عليه ، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه ، ومحبته وموالاته ، والشهادة له بالرسالة
--> ( 1 ) قال الشيخ سليمان بن عبد اللّه - رحمه اللّه - في « تيسير العزيز الحميد » ص 590 - ط . المكتب الإسلامي - : « أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا باللّه أو بصفاته ، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره . قال ابن عبد البر : لا يجوز الحلف بغير اللّه بالإجماع » اه .