ابن تيميه
167
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فعنه أجوبة ، أحدها : أن هذا يلزم مثله فيمن سافر إلى المساجد للصلاة كمن سافر من مصر إلى الشام ليصلي في جامع دمشق ، أو سافر من الشام ليصلي في جامع مصر ، فهذا السفر منهي عنه أو غير مستحب عند الأئمة ، وهو سفر معصية عند مالك وجمهور أصحابه ، والأكثرين لا تقصر فيه الصلاة بمقتضى هذا الحديث ، فقد سوّى بينه وبين السفر لقتل النفوس . الثاني : أن المحرمات إذا اشتركت في جنس التحريم كان الشرك محرما والنظرة محرمة ، ولم يلزم من ذلك أن يسوّى بين الكفر بالمعاصي ولا الكبائر بالصغائر . الثالث : أن يقال : بل قد يكون الحج إلى القبور أعظم من قتل النفوس ، وقد يكون شركا ينقل عن الملة ، فإن كثيرا من هؤلاء يعتقد أن السفر إلى قبر الشيخ أو الإمام أو النبي أفضل من الحج ، ويسمّونه الحج الأكبر ، وينادي مناديهم من أراد الحج الأكبر أي السفر لزيارة بعض القبور المنسوبة إلى بعض أهل البيت ، ومنهم من يقول له صاحبه : تبيعني زيارتك للشيخ بكذا وكذا حجّة ، فلا يفعل . ويصنّف علماؤهم كتبا في مناسك حج المشاهد ، كما صنّف المفيد بن النعمان . ومن الناس من يحج إلى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثم يرجع من هناك لا يحج إلى البيت العتيق ، ويقول : هذا هو المقصود . ومنهم من يحلف فيقول : وحقّ النبي الذي تحج المطايا إليه ، ومنهم من يصلّي إلى قبر شيخه ويستقبله في الصلاة ، ويقول : هذه قبلة الخاصة ، والكعبة قبلة العامة ! وأنا أعرف من فعل هذا وهذا وهذا ، وهم قوم لهم عبدة وزهد ودين ، لكن فيهم جهل وضلال ، كما أن رهبان النصارى وغيرهم هم من أزهد الناس وأعظمهم اجتهادا في العبادة ، لكن بجهل وضلال ، واللّه تعالى قد أمرنا أن نقول في صلاتنا : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [ الفاتحة : 6 ، 7 ] . وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون » « 1 » . قال الترمذي : حديث حسن . وهكذا قال السلف . قال ابن أبي حاتم في تفسيره : لا أعلم خلافا في هذا الحرف بين المفسرين « 2 » . [ من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أفضل من الحج فهو كافر ] ومعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج ؛
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 4 / 378 ) والترمذي ( 2953 ، 3954 ) وابن حبان ( 16 / رقم : 7206 ) وغيرهم . مطولا ومختصرا . وصححه الشيخ الألباني في تخريج « الطحاوية » رقم ( 811 ) . ( 2 ) انظر « تفسير ابن أبي حاتم » ( 1 / 31 / 40 ) .