ابن تيميه

165

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

النبي صلى اللّه عليه وسلّم هو مما نهي عن شدّ الرحال إليه ، وأن من نذر ذلك لا يجوز أن يوفي بنذره ، بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه أولهم وآخرهم ، في الكتب الصغار والكبار ؛ أن السفر إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهيّ عنه ، وإن نذره ناذر لم يكن له أن يفعله لأنه منهي عنه ، فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين إلا لأجل الصلاة في المسجدين ، لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر ، ولا أثر من الآثار ، ولا غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين . وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ذلك فليس هذا من هذا الباب . فإن هذا ليس قصده متعلقا بعين المكان . وأما السفر إلى سائر الأمصار لأجل مساجدها أو قبر فيها فلا يجوز عنده بحال ، ثم إن مذهبه أن السفر المحرم لا تقصر فيه الصلاة . وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا تقصر فيه كما ذكره هذا المفتري ، بل ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء ، ولم يرجّح قول من منع القصر ، ولكن ذكر حجة من نهى عن السفر إلى غير الثلاثة فلما ذكرها تبيّن أنها الراجحة ، وأنه ليس مع أولئك ما يعارضها . وأما قوله : إنه خالف في ذلك السادة العلماء وأئمة العصر . فيقال : هذا باطل ؛ فإنه لم يخالف في ذلك أحدا من علماء المسلمين ، وأئمة الدين المعروفين عند المسلمين بأنهم أئمة الدين . وأما من تكلم بلا علم أو تكلّم بالهوى والجهل ، فهذا ليس من أئمة الدين ، ولا يذكر المسلمون قول مثل هذا في كتبهم على أن يتبع ويقتدى به ، بل قال تعالى للخليل لما قال : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] . فبيّن أن عهده بالإمامة لا ينال ظالما ، فلا يكون الظالم إماما للمتقين ، بل قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ السجدة : 24 ] فالأئمة الذين يهدون بأمر اللّه هم أهل الصبر واليقين ، واللّه تعالى أخبر أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يهدون بأمره ، وإبراهيم إمام الحنفاء والداعي إلى توحيد اللّه وعبادته وحده ، والتبرؤ من عبادة ما سوى اللّه ومن العابدين لغيره وقد أخبر اللّه أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان سفيها جاهلا ، وقال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 120 ] والأمة هو : القدوة الذي يؤتم به . وكان ابن مسعود يقول : إن معاذا كان أمة قانتا للّه حنيفا ، فيقولون : إن إبراهيم . فيقول : إن معاذا . فيعلمون أنه لم يرد التلاوة ، وإنما أراد أن يعرّفهم أن معاذا كان إماما . وكل من جعله اللّه إماما فإنه يدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ، والنهي عن دعاء ما سواه ، لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة ، ينهون عن دعاء الملائكة والأنبياء فضلا عمن سواهم . وبهذا بعث اللّه جميع الرسل وأنزل جميع الكتب ، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل اللّه من أحد دينا سواه ، قال تعالى :