ابن تيميه
160
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
يشرع في سائر المساجد ، لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على نزاع في ذلك ، وما يجده المسلم في قلبه من محبّته والشوق إليه ، والأنس بذكره ، وذكر أحواله ، فهو مشروع له في كل مكان ، وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك ، بل نهى عن أن يتّخذ ذلك المكان عيدا وأن يصلّى عليه حيث كان العبد ، ويسلّم عليه ، فلا يخصّ بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا بسلام عليه ، فكيف بما ليس كذلك ؟ وإذا خصّ قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره ينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند غير قبره ، كما يفعل عند قبره كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظّمونه يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون بخلاف ذلك . والرسول هو الواسطة بينهم وبين اللّه في كل مكان وزمان ، فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة ، مع أن ذلك لو شرع لهم لأشغلوا بحقوقهم عن حقّه ، واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع ، فيدخلون في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق . فينقض تحقيق الشهادتين ؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ، وأن لا يتخذوا بيته عيدا ولا مسجدا ، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور ؛ فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب ، وكمال إيمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه ، حيث كانوا واهتمامهم بما أمروا به من طاعته ، فإن طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة بين أولياء اللّه وأعدائه ، وأهل الجنة وأهل النار ، فأهل طاعته هم أولياء اللّه المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون ، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك « 1 » . والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادا ؛ هم من أهل معصيته ومخالفته ، لا من أهل طاعته وموافقته ، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه . وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته ، كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلوّ في المسيح والشّرك به من جنس محبته وموالاته . وكذلك دعاؤهم للأنبياء والموتى ؛ كإبراهيم وموسى وغيرهما ، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم ، وإنما هو من جنس معاداتهم . ولهذا يتبرّءون منهم يوم القيامة ، وكذلك الرسول يتبرأ ممن عصاه ، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه . قال تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] إلى قوله : تَعْمَلُونَ [ الشعراء : 216 ] .
--> ( 1 ) وانظر في ذلك « الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان » للمصنف - رحمه اللّه تعالى - .