ابن تيميه
122
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ، ولا يمكن أحدا أن ينقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر ، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر ، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ، ولم يشرع ذلك لأهل المدينة . فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا عن خلفائه ، ولا هو معروف من عمل الصحابة ، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر ، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة ، كما كان ابن عمر يتحرّى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر ، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك ، بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك . روى سعيد بن منصور في سننه حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن عمر قال : خرجنا معه في حجة حجّها فقرأ بنا في صلاة الفجر : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [ الفيل : 1 ] . و لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [ قريش : 1 ] في الثانية . فلما رجع من حجّه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال : ما هذا ؟ فقالوا : مسجد صلى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : « هذا ملّة أهل الكتاب قبلكم ، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا ، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصلّ ومن لم تعرض له فليمض » « 1 » . وما اتفق عليه الصحابة ابن عمر وغيره من أنه لا يستحبّ لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا ، بل يكره ذلك ، فتبين ضعف حجّة من احتج بقوله : « ما من رجل يسلّم عليّ إلا ردّ اللّه عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام » . فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك ، ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره ، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسّره علم أنه غير مستحب ، بل لو كان جائزا لفعله بعضهم ، فدل على أنه كان عندهم من المنهيّ عنه ، كما دلت عليه سائر الأحاديث . وعلى هذا فالجواب عن الحديث ؛ إما بتضعيفه على قول من يضعّفه ، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول بالرد لا فضيلة المسلّم بالرد عليه ، إذ كان هذا من باب المكافأة والجزاء ، حتى أنه يشرع للبر والفاجر ، وإما بأن يقال : هذا إنما هو فيمن سلّم عليه من قريب ، والقريب أن يكون في بيته ، فإنه إن لم يحدّ بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع ، كما تقدم ذكر هذا . وأما الوجه الثاني : فتوجيهه ؛ أن الحديث ليس فيه ثناء على المسلّم ولا مدح
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 2 / 84 ) وعبد الرزاق ( 1 / 118 - 119 / 2734 ) وسعيد بن منصور . بإسناد صحيح على شرط الشيخين ، كما قال المحدث الألباني في « تحذير الساجد » ص ( 93 ) .