الغزالي
91
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
إلى صنع الإله . فيصرّح بالسبب الحقيقي ، لفوات السبب العادي . وإذا وضح هذان الأصلان ، نقول : السبب القريب في حق عيسى عليه السلام ، لمّا دلّ الدليل على عدم وقوعه ؛ أضيف تكوينه إلى السبب البعيد ، وهو الكلمة ، لأن كل أحد مخلوق بكلمة اللّه القائل بها لكل مخلوق : « لكِنْ » فإذا هو كائن . فلهذا السبب صرح في حقه بذلك ، إشارة إلى انتفاء السبب القريب العادي ، وأنه إنما كوّن الكلمة / التي هي : « لكِنْ » ، من غير مني . يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح . ثم أوضح ذلك بقوله : « أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ » . يريد : أن الولد إنما يتكون من إلقاء المني إلى أمه . وهذا المولود لم يخلق إلا بإلقاء الكلمة إلى أمه ، التي هي عبارة عن الأمر بالتكوين ، فإذا الإلقاء مجازي . وقد ورد مثل ذلك في حق آدم ، لما اشتركا في عدم التكوين عن الأسباب العادية ، حيث قال جلّ من قائل : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ « 1 » . واللّه عزّ وجلّ لا يد له ، وإنما المراد : خلقته بقدرتي « 2 » ، إشارة
--> ( 1 ) سورة ص : 75 . ( 2 ) هذا القول الذي حكاه الغزالي هو قول الأشاعرة في الصفات ، حيث أنهم أنكروا أن اللّه يدا ، ثم أولوا الألفاظ الواردة في القرآن الكريم ، والثابتة عن الرسول الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى معان أخرى غير مرادة ، مثل ما صنع الغزالي هنا ؛ حيث أنه نفى صفة اليد للّه تعالى وأولها بمعنى القدرة . وهذا الموضوع من المواضيع الطويلة التي افترق فيها المسلمون إلى فرق كثيرة ، وآراء عديدة . ولا مجال لاستعراض ذلك هنا ، لكننا سنلخص ما أثبته أهل السنة والجماعة في هذا الباب : جرى أهل السنة كعادتهم على الأخذ بظواهر النصوص ، وعدم إفساد معانيها بالتأويل أو التعطيل ، لا سيما في نصوص الأسماء والصفات ، فأثبتوا ما أثبته اللّه لنفسه من غير تشبيه له بخلقه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف . ومن جملة ما ورد من الصفات الثابتة للّه عزّ وجلّ في الكتاب الكريم وفي صحيح سنة الرسول الأمين صلوات اللّه وسلامه عليه ؛ صفة اليد . فأثبتوا أن للّه يدا تليق بجلاله لا تشبه يد المخلوقين ، فكما أن للّه سمعا وبصرا وقدرة لا تشبه سمع وبصر وقدرة المخلوقين ، بل هي لائقة بجلاله ، فكذلك الأمر في باقي الصفات الثابتة للّه ، ومنها صفة اليد . هذا أولا . -