الغزالي

80

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

احتفت بها قرائن رجّحت حملها على صار دون صنع . فالجواب أيضا عن الشبهة واضح ، وبيانه : أن اللفظ على هذا التقدير لا يعرض لعاقل وقفة في صرفه عن ظاهره . وبيان ذلك : أن الكلمة التي ذكرت في أول الفصل صرّح بأنها إله ، بقوله : « وإله هو الكلمة » فكيف يحكم على الإله بأنه صار / جسدا ؟ وتصحيح هذا الكلام ؛ أن الكلمة عندهم عبارة عن الذات ، باعتبار صفة العلم ، أو النطق ، كما تقدم في أول الفصل . فحينئذ تكون دالة على الذات الموصوفة بالعلم ، أو النطق ، وهذا الإطلاق [ ليس ] « 1 » مختصا بالإله ، لأن اللفظ المشكل كيف ما تردد يستعمل في كل فرد من أفراده حقيقة ، فحينئذ تكون الكلمة موضوعة للذات بقيد العلم أو النطق ، مع قطع النظر عن كون الذات موصوفة بالجسمية أو منفكة عن هذا الوصف ، ففي أول الفصل ، أطلقت الكلمة / على العالم المنفك عن الجسمية حقيقة ؛ الذي هو إله . وفي آخر الفصل ، أطلقت على العالم أو الناطق الموصوف بالجسمية حقيقة ؛ الذي هو رسول أيضا . فيكون إذا معنى قوله : « والكلمة صار جسدا » أي : أن ذلك الإله العالم الذي كان مدلول الكلمة ، كان منفكا عن الجسمية . وقد صار مدلولها الآن ؛ عالما موصوفا بالجسمية ؛ وهو الرسول . لأنها إذا وضعت للذات بقيد العلم ، قام منها معنى العالم لا محالة . هذا كله بعد تسليم أن الكلمة موضوعة للذات بقيد الصفة / ، من حيث أنها ذات . فإن ادّعي أن ذلك مختص بذات الإله ، كان إطلاقها على عيسى عليه السلام ، بطريق المجاز . لأن المشاركة في مفهومها ثابتة ، وهي من أعظم مصحّحات المجاز . ولا يردّ هذا التأويل [ بقول القائل : إنه على خلاف الظاهر ، لأنه لا معنى للتأويل ] « 2 » إلا صرف الكلام [ عن ] « 3 » ظاهره ، لدليل يأبى إبقاءه على حقيقته .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوع . ( 2 ) ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوع . ( 3 ) في الأصل [ على ] ، وصحّحت في الهامش .