الغزالي
64
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
وهي عند الفريقين أيضا حقيقة غير مركّبة ، أخذت من الحقيقتين . يعنون بالحقيقتين : حقيقة الإله جل اسمه ، وإنسانية عيسى عليه السلام . ثم وقع الاتفاق منهما على أن كل حقيقة باقية على جميع أوصافها من غير اختلاط ولا امتزاج ، بل كل منهما حافظة ذاتها من حيث هي كذلك . والمسيح الذي هو « 1 » أقنوم لحقيقة الإله فقط ، فقط صرحوا بصلبه ، فيلزم أيضا للفريق الثاني / ما لزم الأوّل . أما الأول : فقد مضى القول فيه مبيّنا . وأما الثاني : فلأنهم مصرّحون بأن المسيح عليه السلام أقنوم لحقيقة الإله فقط ، ومعتقدون بأن حقيقته غير مركبة ، ليس بينها وبين حقيقة الإنسان اختلاط ولا امتزاج ، وقد حكموا مع ذلك بصلبه ، فيلزم أن يكون المصلوب هو الإله . فإن قيل : إن الفرقين كل منهما قائل بالاتحاد ، فلم لا يعود الصلب إلى « 2 » المتّحد به ؟ فنقول : هذه الدعوى لا يقدرون على تحقيقها البتة . أما القدماء ، فلأن المتّحد به لا وجود له إلا في الذّهن ولأن / حقيقة المسيح عندهم غير مركبة . وأما المتأخرون ، فبمثل هذا المقالة أيضا يقولون ، وأما الاتّحاد عندهم بإنسان جزئي ، فحاصله يرجع إلى نسبة . والعجب من إطلاقهم الصّلب على المسيح الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط ، ثم يعترفون بأن الاتحاد غير معقول الحقيقة . وكيف يستجيز العاقل أن يطلق الصلب على المسيح الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط ، ويصرّح بجهله بحقيقة الاتحاد الذي ينبني على العلم به ردّ الألم إلى الإنسان وصرفه عن الإله جلّ اسمه ؟ ! وأعجب من ذلك ركونه / إلى ما لا يعلم حقيقته ، وله عن هذه الجهالة مندوحة « 3 » ظاهرة !
--> ( 1 ) في المطبوع : [ وأما المسيح الذي . . ] . ( 2 ) في المطبوع : [ على ] . ( 3 ) المندوحة : أي السعة والفسحة ، يقال : ندحت الشيء ، إذا وسّعته . انظر : « النهاية في غريب الحديث » ( 5 / 29 ) .