الغزالي

58

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

فالجواب : أن هذا غير لازم البتة ، لأن المعنى من كون اللّه خالقا : تقديره الخلق في الأزل ، وهذه الصفة ثابتة له أزلا . فإذا خلق مخلوقا ؛ فعلمه بوجوده في زمن خلقه / ، والقدرة على إيجاده في ذلك الزمن أيضا ، كلاهما ثابت أزلا . فلم يبق حادث سوى وجوده ، ووجوده ليس صفة قائمة بذات الإله جلّ اسمه ، بل بذات المخلوق ، وأما نسبة الوجود إلى تأثير القدرة فيه زمن إيجاده ، فذلك من باب النّسب والإضافات . والنسب والإضافات ليست أمرا وجوديا ، كالفوقية والتحتية ، والأبوّة والبنوّة « 1 » وهذا معنى بيّن الظهور ، بخلاف ما تقدّم ، فإنه إذا اتّحد بالناسوت ، كان اتحاده به صفة قائمة بذاته ، تعالى اللّه عن ذلك ، ثم لو فرض / وجود هذه الحقيقة ، فالقول بأنها حقيقة ثالثة مغايرة لكل واحد من اللاهوت والناسوت ، موصوفة بكل ما يجب لكل واحد منهما ، من لوازم الإنسان وملزوماته ، وصفاته ، من حيث هو إنسان ، وما يجب للإله ويستحيل عليه من الصفات الثابتة له من حيث هو إله ، كلام متهافت . لا مطمع لأحد في تحقيقه . وبيانه : أن الشيء إنما يوصف بصفة إذا كان وصفه بها ممكنا ، وإذا ثبت ذلك امتنع أن تجري على هذه الحقيقة أحكام اللاهوت وأحكام الناسوت ، لأن جميع ما يجب / للّاهوت من الصفات وغيرها المختصّة به ، من حيث هو لاهوت ، المميّزة له عن غيره ، إن كانت ثابتة للحقيقة الثالثة ، لزم أن يكون عين اللاهوت ، وكذلك القول في الناسوت ، لاشتراكهما معهما في جميع لوازم كل واحد منهما ، وجميع ملزوماته وصفاته الثابتة له من حيث هو إله ، ومن حيث هو إنسان ، على حدّ ما ذكر . إذ لو ثبتت المغايرة ، والحالة هذه ، للزم أن نثبت لشيء جميع ذاتيات الإنسان المقومة لحقيقته ، وجميع عوارضه اللّازمة والمفارقة ، ونفرض مع ذلك / حقيقة مغايرة لحقيقة الإنسان . هذا من المحال البيّن . لأن جميع ذاتيات الإنسان المقومة له ، وجميع عوارضه الثابتة له من

--> ( 1 ) سيأتي الكلام على الأبوة والبنوّة ومعانيهما .