الغزالي

33

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

الثاني : أن الدلائل إذا تعارضت فدلّ بعضها على إثبات حكم وبعضها

--> - قوله رحمه اللّه : « أن النصوص إذا وردت ؛ فإن وافقت المعقول تركت ظواهرها ، وإن خالفت صريح المعقول وجب تأويلها . . . » . هذا الكلام غير متفق عليه بين أهل العلم ، وبيان ذلك : أن النصوص الشرعية الصحيحة ، المنزلة من عند اللّه ، والتي نطق بها رسل اللّه ، لا تعارض فيها البتة ، بل ولا مخالفة فيها لصريح المعقول ، بل إن العقل قد لا يستوعبها ، أو أن المرء لا يفهم المقصود من الكلام فيحمله على محمل غير مراد ، أو أنه قد يحصل قصور في الفهم والإدراك . واعلم أن المتفق عليه بين أهل العلم : أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح . ولمن أراد التوسع والتفصيل حول هذه المسألة ؛ فعليه بالرجوع إلى الكتاب الفذ « درء تعارض العقل والنقل » للإمام الفذ : أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني - طيّب اللّه ثراه - ففيه ما يشفي العليل به صدره ، حول هذه المسألة المهمة . هذا أولا . أما ثانيا : فلعل الحامل لكلام الغزالي السابق ؛ ما يحويه الإنجيل من كلام يخالف صريح المعقول ، لكن هذا لا يستدعي ما ذكره الغزالي من اللجوء إلى التأويل والرد إلى المجاز ، إذ أن هذا الإنجيل لا يدخل تحت قول العلماء : ( صحيح المنقول ) ، حيث أنه من المتفق عليه بين العلماء والعقلاء أن الإنجيل تم تحريفه بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، فلا يعوّل على نقل أو نص محرف غير صحيح . - أما قوله رحمه اللّه : « وجب تأويلها واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة . . . » . ليعلم أن التأويل يطلق ويراد به معان عدّة ، لذلك سنشرع في تعريفه ، وذكر أنواعه ، وبيان كلام العلماء حول التأويل ، وذلك باختصار وجيز ، ما أمكن . تعريف التأويل ، لغة : هو تفعيل من آل يؤول إلى كذا ، أي صار إليه ، فالتأويل : التصيير ، وأوّلته تأويلا إذا صيّرته إليه . انظر : « مختصر الصواعق المرسلة » للعلامة ابن قيم الجوزية ص 39 . وقال الراغب : التأويل : رد الشيء إلى الغاية المرادة منه قولا كان أو فعلا ، وفي « جمع الجوامع » : هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح ، فإن حمل لدليل ؛ فصحيح . أو لما يظن دليلا ؛ ففاسد . أو لا لشيء ؛ فلعب لا تأويل . انظر قول الراغب في كتاب : « قضية التأويل في القرآن الكريم بين الغلاة والمعتدلين » لإبراهيم بن حسن بن سالم . نشر دار قتيبة - بيروت ( 1 / 35 ) . أما التأويل اصطلاحا ، فقد اختلف فيه العلماء اختلافا واسعا ، وذلك بسبب تقسيم البعض للتأويل وعدم التقسيم عند البعض الآخر ، أو بسبب بعض المصطلحات عند بعض الفرق ، واستخدام تلك المصطلحات لأغراض شتى ، كنفي الصفات عند البعض ، أو تحريف النصوص باسم التأويل وتفسيرها بما يتناسب وعقائد تلك الفرق ، وهكذا . لكننا سنذكر هنا ما اصطلح عليه علماء السلف والمفسرون من تعريف التأويل . فنلخص ما -