الشريف المرتضى

526

الذخيرة في علم الكلام

ويقدح في هذا الوجه خاصة : أن العاقل يعلم بعقله قبح الاقدام على ما لا يأمن كونه جهلا ، وإذا لم يعلموا جهة وقوع الثواب أو العقاب بهم وجب أن يتوقفوا عن الاعتقاد فيشكوا . وإذا وجب في أهل الآخرة أن يكونوا عارفين باللّه تعالى فلا يخلو معرفتهم من أن يكون من فعل اللّه تعالى فيهم أو من فعلهم ، فان كانت من فعلهم لم يخل من أن تكون واقعة عن نظر مختار أو ملجأ إلى فعله ، أو عن تذكر نظر ، أو بأن يلجأ الفاعل إلى نفس المعرفة من تقدّم نظر . وإذا أبطلنا ما عدا المعرفة الضرورية ثبت ما أردناه . ولا يجوز أن تكون واقعة عن نظر مبتدأ ، لأن ذلك تكليف وهو مشقة ، وقد بيّنا سقوط التكليف عنهم . وليس لهم أن يقولوا : إن الشبهات لا تعرض في دار الآخرة بمعاينة تلك الآيات والأحوال ، لأن ذلك كله لا يمنع من تطرق الشبهة ، وأن تكون المعرفة مكتسبة . كما لا يمنع معاينة المعجزات وظهور خرق العادات في الدنيا من اكتساب المعرفة وتطرق الشبهة ، وان قلّت أو كثرت . ولا يجوز أن يكون الالجاء إلى المعرفة ، لأن الالجاء إلى أفعال القلوب التي تخفى عن غير اللّه تعالى ، لا يجوز أن يكون إلا من اللّه تعالى . وإذا وجب أن يكون الملجأ إلى العلم عارفا باللّه تعالى ، فقد استغنى بتقدم المعرفة حق الالجاء إليها . وقد قيل : إنما يلجأ إلى العلم ، بأن يعلم أنه متى حاول اعتقاد غيره منع منه فقد أمر على الاعتقاد الذي وصفنا حاله ، لا يكون له الاعتقاد علما ، لأنه ليس من الوجوه المذكورة « 1 » التي يكون لها الاعتقاد علما كالنظر وتذكر

--> ( 1 ) في النسختين « من وجوه المذكورة » .