الشريف المرتضى
520
الذخيرة في علم الكلام
على أن الشروط التي يعتبرها مخالفنا في قطع السارق على سبيل النكال والعقوبة تكاد تكون متعذرة ، لأنهم يشترطون علم الإمام بكون السارق سارقا لما يملكه المسروق منه وتناوله له من حرز وقيمته بالغة القدر الذي يجب فيه القطع ، ويعلمه في حال التناول كامل العقل قد وقعت عنه الشبهات مصرّا غير تائب . ومعلوم الإحاطة بهذه الشروط كلها ، فان ادعي فيه الامكان تقديرا قدرنا مثل ذلك في العفو ، لأنه غير ممتنع فرضا وتقديرا أن يجعل اللّه تعالى للامام علامة يميز بها بين من عفي عنه وبين من لم يعف عنه . على أن امتثال آيات الحدود ممكن على كل حال في الكفار ، لأنا نأمن فيهم ثبوت ما يقتضي اسقاط العقاب . وربما استدل المخالف في ارتفاع العفو عن مستحقي العقاب بأن يقول : لو عفا اللّه عنهم لم تخل حالهم بعد العفو من أمور : إما أن يدخلهم الجنة ، أو النار ، أو لا يدخلهم جنة ولا نارا . فان أدخلهم الجنة لم يخل من أن يكونوا فيها مثابين أو غير مثابين ، وان أدخلهم النار فاما أن يكونوا معاقبين أو غير معاقبين . وكونهم في غير جنة ولا نار إما بأن أفنوا أو اميتوا ، أو بأن يكونوا أحياء في دار أخرى . يمنع الاجماع منه ، لأن الأمة مجتمعة على أنّ كل مكلف لا منزلة له في الآخرة بين الجنة والنار ، والاجماع أيضا يمنع من أن يدخلوا الجنة ولا يثابوا فيها ، ويدفع أيضا أن يكونوا في النار غير معاقبين أو معاقبين ، وان كان العقل يمنع من عقابهم بعد اسقاطه ، فلم يبق إلا أن يدخلوا الجنة مثابين . ولا ثواب لهم يستحقونه ، لأن عقاب معاصيهم قد أحبط ثوابهم والتفضل بالثواب قبيح . فوجب القطع على بطلان العفو ، لأن تجويزه يؤدي إلى علم فساده . والجواب عن هذه الشبهة : أنها إن بنيت على أن الثواب ينحبط بالعقاب ، وقد دلّلنا فيما تقدم من هذا الكتاب على بطلان التحابط .