الشريف المرتضى

500

الذخيرة في علم الكلام

وأمّا الطريقة الثانية التي وعدنا بذكرها فبينة : أما رجوع الزبير عن الحرب وانصرافه عن الجهتين فليس بتوبة ، ولا له ظاهر ندم ، لأن الرجوع عن الحرب قد يكون لأغراض كثيرة وأسباب مختلفة ، فمن أين لهم أن الرجوع عنها كان للتوبة دون غيرها ؟ والدلالة على أن الرجوع لم يكن للتوبة أنه لم يصر إلى جيش أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقد قيل : إنه انما رجع عن الحرب لما يئس من الظفر ورأى أمارات النصر والفتح لأمير المؤمنين عليه السّلام ، وقيل أشياء كثيرة في سبب رجوعه ، ويكفينا أن يكون محتملا ، وقد روي أنه بعد انصرافه عن الحرب لمّا هجن وعوتب رجع وقاتل وأعتق عبدا كفارة عن يمينه . وأمّا ما يتعلقون به في الرواية عن الزبير من قوله : ما كان أمر قط إلا عرفت أين أضع قدمي فيه إلا هذا فاني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر . فإنما يدل هذا على الشك والحيرة ولا يدل على التوبة ، والتائب لا يكون شاكا . فان تعلقوا في توبتهما بما روي من قوله صلّى اللّه عليه وآله « بشر قاتل ابن صفية بالنار » « 1 » فليس في دخول قاتله النار ما يدل على دخوله هو الجنة ، وقد يجوز أن يستحق قاتله النار لا لأجل قتله بل لسبب آخر ، ولو استحقه لأجل قتله لم يدل ذلك على توبة المقتول ، لأن ابن جرموز قتله غدرا وبعد أن إعطاء الأمان . وأمّا التعلق في توبة طلحة بما روي من قوله لما أصابه السهم « ندمت ندامة الكسعيّ لما رأت عيناه ما فعلت يداه » ، فهو بأن يدل على نفي التوبة أقرب ، لأنه جعل ندامته مشبهة لندامة الكسعي ، وخبر الكسعي معروف وأنه ندم بحيث لا ينفعه الندامة ، وحيث خرج الأمر عن يده .

--> ( 1 ) أسد الغابة 2 / 199 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 236 .