الشريف المرتضى

393

الذخيرة في علم الكلام

الحقيقة ؟ فان قال نعم ، قيل له كيف ، وكيف يدل على ذلك ، وأي تأثير لدعواهم في تحقيق هذا الامر ؟ وان قال لا يدل ، قيل له كيف لم تدل المواقفة على أنه من فعلهم ، ودل تركها على أنه ليس من فعلهم ، وأيّ تأثير للترك ليس هو للفعل ؟ على أنهم إذا جعلوا ترك المواقفة دليلا على أمان العرب من أن يكون القرآن من فعل الجن ، فانا نقول لهم : ما الذي أمنت العرب من أن يكون القرآن من فعل الجن ، حتى أمسكت لأجله عن المواقفة ؟ أشيروا إليه بعينه حتى نعلمه ، وتكون الحجة به قائمة إن كان صحيحا ، فانّ هذا مما لا يحسن الحوالة به على العرب ، وحال المتكلمين فيه أقوى وهم إليه أهدى . فان قيل : بينوا الآن كيف لا يلزم سؤال الجن من قال بالصرفة ؟ قلنا : إذا كان الصحيح في جهة اعجاز القرآن أن اللّه تعالى سلب كل من رام المعارضة العلوم التي بها يتمكن منها ، وعلمنا أنّ أحدا من المحدثين لا يقدر أن يفعل في قلب غيره شيئا من العلوم ولا من أضدادها ، فلا فرق في هذا التعذر بين ملك وجنيّ وبشر ، لأن وجه التعذر هو أننا قادرون بقدر ، فكل من شاركنا في القدر فلا بدّ من أن يتعذر عليه ذلك . وهذا يقتضي أن الصرف لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، ولا يدخل في مقدور أحد من المحدثين ، فسؤال الجن ساقط عمّن قال بالصرفة ومتوجه إلى مخالفهم . وأمّا السؤال الثاني الذي وعدنا بذكره - وقلنا إنه لازم لمن لم يقل بالصرفة وغير لازم لمن ذهب إليها - فهو أن يقال : إذا سلّم لكم تعذر معارضة القرآن على كل بشر وجنيّ وملك ، وكل قادر من المحدثين ، وسلّم أيضا أنه من فعله تعالى على غاية اقتراحهم ، ما المنكر من أن يكون أنزل هذا الكتاب على نبيّ من الأنبياء غير من ظهر من جهته تغلبه عليه وقتله الظاهر من جهته ، وادعى الاعجاز به ؟