الشريف المرتضى

391

الذخيرة في علم الكلام

قلنا : معلوم أن أجسام الملائكة والجن لطيفة رقيقة متخلخلة ، ولهذا لا نراهم بعيوننا إلا بعد أن يكيفوا ، ومن كان متخلخل البنية لا يجوز أن تحله قدر كثيرة ، لحاجة القدر في كثرتها إلى الصلابة وزيادة البنية ، ولهذه العلة لا يجوز أن [ تحل ] « 1 » النملة من القدر ما يحل الفيل . فلا يجوز على هذا الأصل أن يتمكن ملك ولا جني من حمل جبل ولا قلع مدينة إلا بعد أن يكثف اللّه تعالى بنيته ويعظم جثته ، وإذا حصل هذه الصفة رأته كل عين سليمة وميزته . فإذا ادعى النبوة من جعل معجزه اقلاع مدينة أو نقل جبل فوقع ما ادعاه من غير أن يشاهد جسما كثيفا أعان عليه أو تولاه ، يبطل التجويز لأن يكون من فعل جني أو ملك ، وخلص فعلا للّه تعالى . ولا فرق في اعتبار هذه الحال بين الجن والبشر ، لأن مدّعي الاعجاز بحمل جبل ثقيل لا ينهض بحمله أحد منا منفردا لا بدّ في الاعتبار عليه من أن يمنعه من الاستعانة بغيره ، ويسدّ باب كل حيلة يتم معها الاستعانة بالغير ، فالجني في هذا الباب كالانسي إذا كنا قد بينا أنه لا بدّ من أن يكون كثيفا مدركا . فأمّا ابدال ميت بحيّ أو احضار جسم من بعيد ، فليس يجوز أن يتمكن منه أيضا إلا من له قدر تحتاج إلى بنية كثيفة يتناولها الرؤية . وأكثر ما يمكن أن يقال : جوزوا أن يكون الحيّ الذي أبدله الجني « 2 » بميت من أصغر الحيوان جثة كالذرة والبعوضة . والجواب عن ذلك : أن أقل الأحوال أن يكون حامل هذا الحيوان مكافئا له في القدر ، ويجب تساويهما في الجثة والكثافة ، فيجب رؤيته ولا يخفى حاله .

--> ( 1 ) الزيادة من م . ( 2 ) في ه « الحي » .