الشريف المرتضى
384
الذخيرة في علم الكلام
وأبعده من الفصاحة ليكون الصرف عن معارضته أبهر ؟ قلنا : لا بدّ من مراعاة المصلحة في هذا الباب ، فربما ما كان ما هو أظهر دلالة وأقوى في باب الحجة من غيره وأصلح منه في باب الدين ، فما المنكر من أن يكون انزال القرآن على هذه الرتبة من الفصاحة أصلح في باب الدين ، وان كان لو قلّلت فصاحته مع الصرف عنه لكان الامر فيه أظهر وأبهر . ونقلّب هذا السؤال على السائل عنه ، فيقال له : اللّه تعالى قادر على ما هو أفصح من القرآن عندنا كلنا ، فألا فعل ذلك الأفصح ليظهر مباينة القرآن لكل فصيح من كلام العرب ، وتزول الشبهة عن كل أحد في أن القرآن يساوى ويقارب ؟ فلا بد من ذكر المصلحة التي ذكرناها ، فان ارتكب بعض من لا يحصّل أمره أن القرآن قد بلغ أقصى ما في المقدور من الفصاحة ، فلا يوصف تعالى بالقدرة على ما هو أفصح منه . قلنا : هذا غلط فاحش ، لأن الغايات التي ينتهي الكلام الفصيح إليها غير محصاة ولا متناهية . ثم لو انحصرت على ما ادّعي لتوجه الكلام ، لأن اللّه تعالى قادر بغير شبهة على أن يسلب العرب في أصل العادة العلوم التي يتمكنون بها من الفصاحة التي نراها في كلامهم وأشعارهم لا يمكنهم من هذه الغاية التي هم الآن عليها ، فيظهر حينئذ مزية القرآن وخروجه عن العادة ظهورا تزول معه الشبهات ويجب معه التسليم . فألا فعل ذلك إن كان الغرض ما هو أظهر وأبهر ، وألّا أحيى اللّه تعالى عنه دعوته الأموات أو أكثرهم وأمات الاحياء أو أكثرهم ، وألّا أحيى عبد المطلب عليه السّلام ، ونقل جبال مكة عن أماكنها كما اقترح القوم عليه . فذلك كله أظهر وأبهر . فان قيل : إذا لم يكن القرآن خارقا للعادة بفصاحته كيف شهد له بالفصاحة متقدموا العرب فيها كالوليد بن مغيرة وغيره ؟ وكيف انقاد له صلّى اللّه عليه وآله وأجاب دعوته كبراء الشعراء ، كالنابغة الجعدي ، ولبيد بن