الشريف المرتضى
380
الذخيرة في علم الكلام
الذي قد بيّنا ، فما بالنا نميّز الفصل القليل ولا نميز الكثير ، ويرتفع الالتباس علينا مع التفاوت ولا يرتفع مع التفاوت . والتعلل منهم : بأن الفرق بين القرآن وأفصح كلام العرب انما يتجلى لمتقدمي الفصحاء الذين تحدّوا به . باطل ، لأنه لو وقف ذلك عليهم مع التفاوت الشديد لوقف عليه ما هو دونه ، وقد علمنا خلاف ذلك . فأمّا من لعله ينكر العلم بالفرق بين أشعار الجاهلية والمحدثين ، فانا نقول له : ما تنكر أن يخفى ما ادعيت أنك لا تعلمه على العوام ومن لا دربة له بشيء من الفصاحة « 1 » كالاعاجم وغيرهم ، وانما اعتبرنا بمن يظهر له أحد الآمرين ويخفى عيه الآخر ، وبين ما ظهر له الفرق فيه دون ما التبس عليه أمره ، وهم كثير . فان قيل : بيّنوا كيفية مذهبكم في الصّرفة . قلنا : الذي نذهب إليه أن اللّه تعالى صرف العرب عن أن يأتوا من الكلام بما يساوي أو يضاهي القرآن في فصاحته وطريقته ونظمه ، بأن سلب كل من رام المعارضة العلوم التي يتأتى ذلك بها ، فان العلوم التي بها يمكن ذلك ضرورية من فعله تعالى فينا بمجرى العادة . وهذه الجملة إنما ينكشف بأن يدل على أن التحدي وقع بالفصاحة بالطريقة في النظم ، وأنهم لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا فاعلين ما دعوا إليه « 2 » ، وأن يدل على اختصاص القرآن بطريقة في النظم مخالفة لنظوم كل كلامهم ، وعلى أن القوم لو لم يصرفوا لعارضوا . والذي يدل على الأول : أنه صلّى اللّه عليه وآله أطلق التحدي وأرسله ، فيجب أن يكون انما أطلق تعويلا على عادة القوم في تحدي بعضهم بعضا ،
--> ( 1 ) في ه « الفصحاء » . ( 2 ) في النسختين « ما ادعوا إليه » .