الشريف المرتضى
350
الذخيرة في علم الكلام
إما لشبهة أو لتقليد لم يجر اللّه تعالى العادة بفعل العلم الضروري به ، وان كان مما لا يجوز أن يدعو العقلاء داع إلى اعتقاد نفيه ، ولا يعترض شبهة في مثله كالخبر عن البلدان إن جاز أن يكون العلم به ضروريا عند الخبر على ما ذكرناه . وليس لهم أن يقولوا : فأجيزوا أن يكون في العقلاء المخالطين لنا السامعين للأخبار من سبق إلى اعتقاد منع بالعادة من فعل العلم الضروري له ، فجوّزوا أن يكون في خبركم بأنه لا يعرف بعض البلدان الكبار والحوادث العظام مع سماعه الاخبار وكمال عقله صادقا . وذلك أنا نعلم ضرورة أنه لا داعي يدعو العقلاء إلى سبق إلى اعتقاد نفي بلد من البلدان ، أو حادث عظيم من الحوادث . ولا شبهة تدخل في مثل ذلك مفارق هذا الباب أخبار المعجزات والنص ، لأن كل ذلك مما يجوز السبق فيه إلى الاعتقادات الفاسدة للدواعي المختلفة . وأمّا البلخي فإنه يتعلق في نصرة مذهبه بأن يقول : لا يجوز أن يقع العلم الضروري بما ليس بمدرك ، ومخبر الأخبار عن البلدان أمر غائب عن ادراك من لم يشاهد ذلك ، فلا يجوز أن يكون ذلك ضروريا ، لأنه لو جاز كون العلم بالغائب عن الحواس ضروريا جاز أن يكون العلم بالمحسوس مستدلا عليه . وربما تعلق في ذلك : بأن العلم بمخبر الاخبار انما يحصل بعد تأمل أحوال المخبرين بها وصفاتهم ، فدلّ ذلك على أنه مكتسب . فيقال لهم عن الشبهة [ الأولى ] « 1 » : لم زعمت أن العلم بالغائب عن الحسّ لا يكون ضروريا ، أوليس اللّه تعالى قادرا على فعل العلم بالغائب مع غيبته ، فما المنكر من أن يفعله بمجرى العادة عند اخبار جماعة مخصوصة ؟
--> ( 1 ) في ه « في شبهة لم زعمت » .