الشريف المرتضى
31
الذخيرة في علم الكلام
المستند على أوهام الفلاسفة وسفسطاتهم . فهو عندما يعوزه الدليل السمعي يلجأ إلى التعليل العقلي ، فإن أعياه هذا ركن إلى القول بجريان العادة التي يسندها إلى اللّه تعالى ، ويريد بالعادة ما نسميه بالسنّة الكونية أو الناموس الطبيعي ، سواء كان ذلك الناموس حياتيا يتعلق بالأحياء وفعّالياتهم ، أو كيميائيا حيويا ممتزجا ، أو فيزيائيا صرفا . ففلسفته من لون خاص تمتزج فيها أحيانا الروحية مع المادية وتنفرد إحداهما عن الأخرى أحيانا اخر . ألا ترى إلى قوله في تفسير نزول الماء من السحّارة « 1 » ، وهي ظاهرة طبيعية فيزيائية : فأمّا ما جرّبناه فنتكلم على العلة المفرقة بين الزئبق والماء ، والذي يجب أن يعتمد في نقض الاستدلال من القائلين بذلك في الماء والسحّارة أن يقال لهم : ما أنكرتم أن يكون اللّه تعالى أجرى العادة بأن يفعل في الماء السكون والوقوف مع سد رأسها ، فلا ينزل من أسفلها ، وإذا فتحنا رأسها لم يفعل ذلك السكون فيجري الماء منها من الثقوب . والعادة حسبما استقريناه من فلسفته نوعان ؛ نوع منها يكون ثابتا كأغلب النواميس الطبيعية والظواهر الكونية ، كقانون الجذب الأرضي والمغناطيسية القطبية والظواهر الفيزيائية ، كحرارة الشمس وآثارها ، وحجر المغناطيس وفعله . ومنها ما يكون نسبيا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، وهذه هي العادة المكتسبة أو المحلية غير المستقرة ، فانظر إلى قوله بعد تعليله نزول الماء من السحّارة مباشرة : وليس ينبغي أن ينكر أصحابنا خاصة أن يكون هذا بالعادة ونحن كلنا نقول : إنّ انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس إنما هو بالعادة ، وإلّا فالمغناطيس وسائر
--> ( 1 ) السحّارة : آلة يكون في رأسها ثقب واحد وفي أسفلها ثقوب كثيرة ( تشبه رأس دوش الحمام ) ، إذا ملأناها بالماء ثم سددنا رأسها بالإبهام ، لم ينزل الماء من الثقوب التي في أسفلها ؛ وإذ أزلنا إبهامنا نزل الماء . ولا علة لذلك إلا أنها عند سد رأسها بالإبهام منعنا الهواء من أن يخلف في مكان الماء ( راجع 2 / 322 ) من أمالي المرتضى - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - ط . الحلبي سنة 1373 ه - مع هامشها ) .