الشريف المرتضى
272
الذخيرة في علم الكلام
فكيف يدفع حسن ما هذه حاله ، ويدعى تحريمه ، وقد أمر اللّه تعالى بطلب الرزق والتوصل إلى المنافع والمتاجر في كثير من آي القرآن « 1 » ، فقال تعالى وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ « 2 » ، وقال تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ « 3 » ، وقال تعالى وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا « 4 » ، وذلك في الكتاب أكثر من أن يحصى . وانما حمل محرمي المكاسب على اظهار هذا المذهب الكسل وعادة العجز ، وربما - وهو الأغلب - جعلوا ترك التكسب طريقا إلى التكسب احتذاء « 5 » بالمنافع ، ويجب أن لا يتناولوا ما قدم إليهم من المأكولات وأن لا يمدّوا إليها يدا ، بل يلزم أن لا يمضغوا اللقمة بعد حصولها في الفم ولا يبلعوها ، لأن ذلك مفارقة للتوكل الذي يدّعون التزامه . وإذا جاز أن يفارقوه بشيء واحد جاز في أشياء . فأما التوكل في الحقيقة فهو طلب الشيء من جهته ، وعلى الوجه الذي أبيح له طلبه منه ، وأن لا يقع جزع وقنوط عند فوته ، ولهذا روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : لو توكلتم على اللّه تعالى حقّ التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا « 6 » . فسمّاها مع الغدو والرواح في طلب الرزق متوكلة . على أنه لا فرق بين من حمل التوكل عن الكف عن طلب الحلال من الرزق من جهاته المباحة ، وبين من حمل ذلك على الكف عن طلب الأولاد والعلوم والآداب ، لأن ذلك كله من قبيل المنافع . وتعلقهم بأن الحلال قد اختلط بالحرام . ليس بشيء ، لأن يد الغير
--> ( 1 ) في ه « آيتي القرآن » . ( 2 ) سورة الجمعة : 10 . ( 3 ) سورة النساء : 29 . ( 4 ) سورة المائدة : 2 . ( 5 ) كذا . ( 6 ) بحار الأنوار 71 / 151 ، مسند أحمد بن حنبل 1 / 30 ، 52 .