الشريف المرتضى
20
الذخيرة في علم الكلام
تخشى سطوته وتحذر ثورته . فاحترام وزير شخصا يرى ذلك الشخص نفسه أعظم من الوزير وأرفع ، وأجل وأمنع ، ليس من الأمور الغريبة أو النوادر العجيبة ! بينما نجد المرتضى - صاحب الديوان - منصرفا إلى العلم مشغولا بالدرس ، عازفا عن بهرجة السلطة ومقامات السياسة - وإن كان ذا مكانة خطيرة فيها - زاهدا في المناصب أو الرئاسة ، وأكثر الناس - ولا يخفى ذلك - في كل عصر ولا سيما منهم خدمة الدولة وأرباب السلطة يزهدون في الزاهدين ، ويخشون سطوة الأشدّاء المجترئين . أما مسألة العلم ، وتوقير العلماء فهي مسطورة في السطور ، أو مكنونة في الصدور . ميله إلى الزهد في الدنيا ، وتهذيب النفس فيها : كان الشريف - رحمه اللّه - ميالا إلى الزهد في الدنيا راغبا عنها ، ذاما لها ، داعيا إلى الاعتبار فيها ، سالكا سبيل أجداده الكرام ، من جعلها مجازا للآخرة ومزادا لدار القرار ، لذا نجد ديوانه يفيض بالقصائد في ذم الدنيا والحث على الزهد فيها والاعتبار بتقلب أحوالها ، وفناء نعيمها ، ثم هو يصف مقابرها ، ويرثي مقبوريها ، ويدعو كذلك إلى تكميل النفس وتهذيبها ، وغرس مواد العزة فيها بنبذ الحرص ، وترك الطمع ، والتحلّي بجمال العلم وخصال الخير ، فمن ذلك قوله في ذم الدنيا والحث على الزهد فيها : أفي كلّ يوم لي منى أستجدّها * وأسباب دنيا بالغرور أودّها ونفس تنزّى ليتها في جوانح * لذي قوة يستطيعها فيردّها تعامه عمدا وهي جدّ بصيرة ، * كما ضلّ عن عشواء باللّيل رشدها إذا قلت يوما قد تناهى جماحها * تجانف لي عن منهج الحق بعدها منها : ولم أر كالدنيا تصدّ عن الذي * يودّ محبّوها فيحسن صدّها وتسقيهم منها الأجاج مصرّدا * فكيف بها لو طاب للقوم عدّها ؟ منها : وحبّ بني الدّنيا الحياة مسيئة * بهم ثلمة في النفس أعوز سدّها منها : سقى اللّه قلبا لم يبت في ضلوعه * هواها ولم يطرق نواحيه وجدها منها : تخفّف من أزوادها ملء طوقه * فهان عليه عند ذلك فقدها