الشريف المرتضى

189

الذخيرة في علم الكلام

تعالى في الصلاة انها تنهى « 1 » عن الفحشاء والمنكر « 2 » ، فبيّن وجه الوجوب وأنه المصلحة . ومع هذا البيان في الامرين لم يبق شبهة . فأمّا قول أبي علي : لو كان شرب الخمر أو ما أشبهه من القبائح السمعية مفسدة لوجب أن يمنع اللّه تعالى المكلف من فعله كما وجب أن يمنعه من أن يفعل ما هو مفسدة لغيره . فغير صحيح ، لأنه قد نهى المكلف عن هذا الفعل الذي هو مفسدة له ، وحذّره من فعله ومكّنه من التحرز منه ، فإذا فعل فمن قبل نفسه اتي ، فلا يجب منعه ، وإن وجب منع مثله من فعله لأنه مفسدة لغيره . لأن هذا المكلّف الذي ذلك الفعل مفسدة له ، لا يمكنه ازالته والتحرز منه كما قدر على التحرز في الأول ، فوجب على اللّه تعالى أن يمنع مما هو مفسدة في تكليفه مما لا يتمكن هو من دفعه ، وان لم يجب في الأول . والقول المحرز في المفسدة إذا كانت من فعل غيره تعالى وغير من تلك المفسدة مفسدة له : إن تكليف من هي مفسدة له لا يحسن إلا بأحد أمور : إما أن يعلم تعالى أن من تلك المفسدة في مقدوره لا يختار فعلها ، أو يكون من تلك المفسدة له يقدر على منع فاعلها من فعلها ، فيكلف اللّه تعالى المنع منها ، سواء منعه أو لم يمنعه . كما أنه إذا كانت من فعل نفس المكلف جاز تكليف الامتناع منها ، سواء أطاع أو عصى ، أو بأن يمنع اللّه تعالى ذلك الغير من فعل المفسدة . فإن لم يكن شيء من هذه الوجوه فلا بدّ من سقوط تكليف ما تلك المفسدة فيه . وانما أوجبنا ذلك لأنه لو كلفه مع علمه بأن مفسدته تحصل من جهة غيره على وجه لا يتمكن من دفعه ، لم يكن مربحا لعلته ولا مصيّرا له بحيث

--> ( 1 ) في م « تنتهي » . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى « إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ » [ سورة العنكبوت : 45 ] .