الشريف المرتضى
145
الذخيرة في علم الكلام
فصل ( في ذكر ما يدل على فناء الجواهر من جهة السمع ) آكد ما يدل على ذلك اجماع الأمة على أنه تعالى يفني الجواهر ثم يعيد ، وأنه تعالى قادر على افناء الجواهر ، وهو معلوم ضرورة من حالهم . ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ « 1 » وكونه أولا يقتضي أن يكون سابقا للموجودات كلها ، وكونه آخرا يقتضي أن يكون آخرا للموجودات . غير أن الدليل قد دل على أن الجنة والنار دائمتان ، والثواب والعقاب لا ينقطعان ، فيجب أن يكون تعالى آخرا منفردا بالوجود قبل دخول الخلق الجنة والنار . وهذا يقتضي فناء الجواهر وسائر الموجودات . ومما يدلّ على ذلك قوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ « 2 » ، وحقيقة الفناء هو العدم . وإذا كان فناء لبعض الجواهر يقتضي فناء الجميع على ما بينته ، علمنا أن جميع العالم وان لم يكن داخلا تحت قوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ لا بدّ أن يفنى . وليس لأحد أن يقول : إن الفناء هاهنا ليس هو العدم وانما هو التفريق وتشذب الاجزاء ، كما قال الشاعر : يا ابني أمية اني عنكما غان * وما الغنى غير أني مرتعش فان والجواب عن ذلك : ان اطلاق لفظ « الفناء » يقتضي العدم انما يستفاد به غيره في بعض الأماكن استعارة وتشبيها ، وانما أراد الشاعر أنني مقارب للفناء ومشرف عليه ، كما يقال في الشيخ الهرم « إنه ميت » ، وهذه عادة
--> ( 1 ) سورة الحديد : 3 . ( 2 ) سورة الرحمن : 26 .