الشريف المرتضى

136

الذخيرة في علم الكلام

استمرار كثير من الكفار على كفره إلى حال موته ، ولو لم يكن في ذلك إلا ما هو معلوم من دين الرسول صلّى اللّه عليه وآله ضرورة ، ومن اجماع الأمة على أن في الكفار من يموت على كفره ويعاقب في القيامة عليه ، لكفى ، على أن الشاك في قبح تكليف من يعلم أنه يكفر ويعصي ويجعل ذلك وجه القبح ، ولا يفرق بين عاص مستمر على عصيانه وبين من يتوب بعد ذلك ، لأن استحقاق الذم والضرر قد حصل بالكفر الأول ، فأي فرق بين أن يتخلص منه بتكليف آخر أولا يتخلص . فان قيل : إن كان العلم بأن المكلّف يعصي لا يقتضي قبح تكليفها فأجيزوا بعثة نبي يعلم من حاله أنه لا يؤدي الرسالة . قلنا : بعثة من لا يؤدي إلى العباد مصالحهم يحلّ بإزاحة علتهم في تكليفهم ، ويقتضي مع اللطف في التكليف والتمكين ، فلذلك لم يجز ، لا لأنه تكليف من في المعلوم أنه يعصي . وليس بمنكر أن يعرض في تكليف من علم اللّه تعالى أنه يعصي وجه يقتضي قبحه ، وهو غير ما ظن مخالفونا . فصل ( في تمييز وجوه حسن تكليف من المعلوم أنه يعصي ) ( من الوجوه التي يقع عليها التعريض للنفع يجري مجرى الابتداء به ) وهذا التكليف انما يقبح على أحد وجهين : إما أن يكون مفسدة لهذا المكلّف نفسه في فعل آخر أو لمكلف غيره ، والوجه الاخر أن يعلم اللّه تعالى في طاعة أخرى في غير التي يعلم أنه يعصي فيها ، أنه إن كلفه إياها أطاع فيها والثواب على الطاعتين متساو ، فإنه لا يجوز في هذا الوجه أن يكلفه ما يعصي فيه بل يكلفه ما يعلم أنه يطيع فيه . ولا شبهة في قبح التكليف على الوجه الأول ، لأن كون الفعل مفسدة